والجيلي في موقفه هذا في أمر الصفات لا يلتزم طريق المتكلمين ولا يأخذ برأي المعتزلة في إثبات أو نفي الصفات وتنزيه الحق في هذا الشأن ، بل هو يلتزم الطريق الصوفي في المعرفة ، فلا عمل للعقل والفكر في تحديد ذلك بل بالكشف الذي يوصله إلى معرفة الحقيقة فقال : " وأما نحن فقد أعطانا الكشف الإلهي أن صفاته عين ذاته ، لكن لا باعتبار تعددها ولا باعتبار عدم التعدد ، بل شاهدت أمرا يضرب عنه في المثل ، وللّه المثل الأعلى ، نقطة هي نفس معقولية الكمالات المستوعبة الجامعة لكل جمال وجلال وكمال على النمط اللائق بالمرتبة الإلهية ، وهي أعني الكمالات مستهلكة في وجود النقطة ، والنقطة مستهلكة في وجود الكمالات ، وهي أعني المعبر عنها بالنقطة وبالكمالات في أحديتها يتعقل فيها عدم الانتهاء ، ويستحيل عليها أولية الابتداء .
وثمّ أمور أغمض وأدق وأعزّ وأجلّ من أن يمكن التعبير عنها « 1 » .
وكان ما كان بما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر " « 2 »
وهناك من الصفات الخاصة بالذات مما تنفرد بها دون مشاركة الموجودات ، فجماله تعالى وجلاله عبارة عن أوصافه العليا كصفة العظمة والكبرياء ، فالحق يتصف بها ، وهي تشير إلى تفرّد الذات بها ، وأن استيفاءها للخلق محال لأنها مستأثرة عنده ولا مشاركة للخلق فيها . ومن الصفات ما يصرف بحق الذات على وجه العموم ، ومنها على وجه الخصوص ، فإذا كان جمال اللّه عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى وهو على وجه العموم ، فإن صفة الرحمة والعلم وصفة اللطف والنعم ، وصفة الجود والرازقية والخلّاقية ، وصفة النفع وأمثالها كلها صفات جمال وهي على الخصوص .
وثمّ صفات مشتركة لها وجه إلى الجمال ووجه إلى الجلال كإسمه " الرب " . وهكذا فإن جمال الحق سبحانه وتعالى متنوع ، فهو أولا معنوي وهو معاني الأسماء الحسنى والأوصف العلا ، وهذا النوع مختص بشهود الحق إيّاه ، والنوع الثاني صوري وهو هذا العلم المطلق المعبر عنه بالمخلوقات « 3 » . أما جلال اللّه تعالى فإن له ظهورين : منها
هامش
( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( صبيح ) ، ص . ص 57 - 58 .
( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 58 .
( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 53 .