بعد أن أضاف العقل الوجود إليها ونسبه إلى ذواتها وصفاتها ، وهذا أمر بديهي عند العقل لا تشكيك فيه ولا ارتياب « 1 » .
فيتضح لنا والحالة هذه أن الصوفية إذن لا ينكرون العقل أصلا إذ يعتبرون وجوده ضرورة ملحّة ، إنما تشككهم في العقل فيما يعتريه من الوهن والعجز أمام القضايا التي تفوق طوره ، فلغة العقل تعجز أحيانا عن التعبير بدقة متناهية عما يكنّه القلب ، وأسلوب العالم المشوب بشوائب مادية قد لا يجد السبيل إلى وصف الإلهامات النفسية والنفثات الروحية ، فإنه من المتعارف لديهم أنه يستعصي على العقل غير المؤيد بالذوق أن يدرك بعض المسائل مما يفوق طور العقل ويتعداها إلى ما وراء ذلك ، لأن العقل القاصر عن الإحاطة الكاملة لمعرفة كنه الشيء ، قد يتخاذل أحيانا فيؤدي إلى عدم فهم المقصود منه « 2 » ، ويؤيد ذلك قوله :
ولما رأينا الحق في صورة البشر * أدركنا بأن العقل في خطر
فمن قيد الحق المبين بعقله * ولم يطلق التقييد ما عنده خبر « 3 »
وربما أوقع ذلك كله الصوفي في الحيرة بين علوم وهبية وأفكار وأنظار عقلية وأيّها أفضل في الاتّباع ، فلا بد له والحالة هذه من أن يجمع بين العقل والنقل ، ويتخذ الحكمة سبيلا إلى المعرفة فيقول : " وقد أمرنا اللّه بالعلم به وجعل الآيات دلائل لأولي الألباب ، ولكن بما هي دلائل عليها خاصة ، فلا يخلو الأمر في أمره إيّانا بالعلم به هل نسلك في ذلك دلالة الشارع ، والوقوف عند أخباره تقليدا ، أو نسلك طريقة النظر فيكون عندك معقولا ، أو تأخذ من دلائل العقل ما يثبت به عندنا كونه إلها ، ونأخذ من دلائل الشرع ما نضيفه إلى هذا الإله من الأسماء والأحكام ، فنكون مأمورين بالعلم به سبحانه شرعا وعقلا وهو الصحيح . . . وشرط المنعوت بالتصوف أن يكون حكيما ذا حكمة ، وإن لم يكن فلاحظ له في هذا اللقب ، فإنه حكمة كله . . . وهي تحتاج إلى معرفة تامة ، وعقل
هامش
( 1 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود ، مصدر سابق ، ص 329 .
( 2 ) مدكور ( إبراهيم بيومي ) ، في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق ، ط الثانية ، القاهرة ، 1968 ، ص 23 .
( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 350 .