تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
وهكذا فإن ما ناله ابن عربي بالمكاشفة كان هو الغالب على تفكيره وأقواله حيث صرّح عنها بأنها إلهام وإيحاء ، ونفث في الروع ، وإلقاء في القلب عن طريق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي هذا القول ما يبيّن خطأ القائلين بالتزامه النظر العقلي فقط ، ومقارنته بالحلاج حيث كان يعرض نظريته من خلال تفسيره وتأويله لما يشاهده في حال مواجيده ، بينما كان ابن عربي يلجأ للكشف والذوق توكيدا لما وصل إليه من طريق النظر العقلي « 1 » . وربما كان هذا القول استنادا لما أظهره ابن عربي من دور العقل لدى المتعقلين ، إذ لا يمكن تجريد الإنسان كليا من العقل ، وذلك بما وصل إليه من قناعة بضرورة وجوده كواسطة بين اللّه والعبد العاقل المفكر ، الذي يصل بفضله وهديه إلى التزام طريق المجاهدة والزهد في الحياة حيث يشير إلى ذلك فيقول : " إعلموا أن جميع المعلومات علّوها وسفلها حاملها العقل الذي يأخذ عن اللّه تعالى بلا واسطة ، فلا يخف عنه شيء من علم الكون الأعلى والأسفل ، فمن وهبه وجوده تكون معرفة النفس الأشياء ، ومن تجلّيه عليها ونوره وفيضه الأقدس يكون عنها العقل ، فالعقل مستفيد من الحق تعالى ، مفيد للنفس ، والنفس مستفيدة من العقل وعنها يكون الفعل ، وهذا سار في جميع ما تعلّق به علم العقل والأشياء التي هي دونه " « 2 » . فمعرفة العبد للحق لا تقوم إلا بوجود العقل ، ودونه لا سبيل إلى ذلك ، فيقول :
فلو لا وجود العقل ما كنت أدريه * ولولا وجود اللوح ما كنت أمليه ولولا شهود الكون ما كنت أوفيه * ولولا حصول العلم ما كنت أجريه « 3 »
فالتصوف إذن والمتصوفة لا ينكرون وجود العقل ، فدوره فعّال في إضافة الوجود إلى الحوادث ، فيصبح وجودها وجودا بديهيا لا تشكيك فيه ، فالوجود من حيث هو وجود لا يقدر العقل أن يتعقله أصلا إلّا أن يصوره في صورة ، حيث تصبح الصورة بعد ذلك مقولة له . وقد يضيف العقل الوجود إلى الحوادث فتسمى موجودات في النظر العقلي
هامش
( 1 ) محمود ( عبد القادر ) ، الفلسفة الصوفية ، المقدمة ، مرجع سابق ، ص ح - . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 119 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 325 .