في هذه الصورة المتعددة ، فلا يعبد إلا اللّه لأن صورة الكثرة هذه ليست على حالة واحدة ، فهي في الوجود الواحد متنوعة ، إما أن تكون معنوية غير محسوسة كالملائكة ، وإما صورية محسوسة كالسماوات والأرض وما بينهما من المحسوسات ، ويتمثل الأولى بمثابة القوى الروحانية في الصور الإنسانية والثانية بمثابة الأعضاء للإنسان ، فكثرتها لا تقدح في أحديته ولا تبطلها ، وهذا يعني به قول ابن عربي . فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد ، وشبّه التفريق الكثرة للأعضاء في الصور المحسوسة كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية ، فما عبد غير اللّه في كل موجود « 1 » .
ويبين القاشاني كذلك دور الأعلى في العبادة ، فالأدنى هو الجاهل المحجوب الذي تخيّل في معبوده الألوهية ، والخيال لا يدرك إلّا مشخصا ، فعبد ذلك المتخيل ، أما أهل التوحيد فلم يتخيلوا الألوهية في معبودهم بل نظروا إلى الوحدة في كثرة التعدد للصور ، وما أشار إليه ابن عربي في شرح الآية
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً
أي حيّروهم في تعداد الواحد ، لذلك لما غلب عليه التوحيد الذاتي المحمدي في قوله " عرفت الأشياء باللّه " حين سئل " بم عرفت اللّه " فإنه حمل الآية على صورة حاله وفسّر الإضلال بالأصنام ، أي تعدد الصور والكثرة لمن نظر فيها بعين التوحيد بالتحير ، لشهود الواحد المطلق الحقيقي متعددا بحسب الإضافات إلى المظاهر ، حتى تراءى الوجه الواحد وجوها عديدة مختلفة متباينة باختلاف المظاهر التي هي مراياه ، ولذلك قال :
وما الوجه إلّا واحد غير أنه * إن أنت عددت المرايا تعددا
فتحير بين أحديته وكثرته « 2 » . وفي هذا يلتقي ابن عربي بالحلاج من حيث العبادة ، فيقول فيها بأن العبادة هي أن ينظر العبد جميع الصور على أنها مجال لحقيقة واحدة هي حقيقة الإله « 3 » .
ويتضح من أقواله أنه قد حاول أن يتخطّى المستوى الظاهر لينفذ إلى لبّ الشعائر والعبادات التي تعتبر من مقومات الدين الرئيسية المنزلة من السماء . وابن
هامش
( 1 ) القاشاني ، شرح على فصوص الحكم ، ص . ص 54 - 55 .
( 2 ) المصدر السابق ، 54 - 55 .
( 3 ) عبد البديع ( لطفي ) ، الإسلام في إسبانيا ، القاهرة ، النهضة المصرية ، 1958 ، ص 63 .