أتمّ في المشاهدة لأنه ما من أمر شهده إلّا وله حكم زائد على ما وقع عليه الشهود لا يدرك إلا بالكشف ، فإن أقيم ذلك الأمر في الشهود من حيث ذاته ، صحب ذلك المشهود حكم ولا بد ، ولا يدرك إلّا بالكشف هكذا أبدا " « 1 » . ومردّ الأحكام جميعها عند أهل اللّه تكون إلى اللّه ، فإذا أضيف أي حكم منها إلى غير اللّه أنكروه ، على حين أن العلماء خلاف ذلك ، إذ أنهم على حكم الحق فيه لا على ما يشهدونه ، وبهذا تختلف خصوصيات المشاهدة بين الفريقين . وفي هذا الموقف يرى الصوفي المشاهد الحق قبل رؤيته لأي شيء آخر كما قال الصدّيق الأكبر . فيقول : " إذا أضيف حكم من أحكام الوجود إلى غير اللّه أنكره أهل الشهود خاصة ، وهم الذين لا يشهدون شيئا ولا يرون شيئا إلّا ورأوا اللّه قبله كما قال الصدّيق رضي اللّه عنه ، عن نفسه : ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه قبله ، أثبت أنه رضي اللّه عنه أنه يرى انفعال الأكوان عن الحق وحده ليس للكون فيه أثر البتة . وليس هذا المشهد لغير مقام الصدّيق " . « 2 » " أما العلماء فهم في هذا المقام على حكم الحق فيه لا على ما يشهدونه فينكرون النكرة ويعرفون المعرفة إذ كان الوجود مبناه على المعرفة وهي الأصل " « 3 » .
ويحدثنا ابن عربي عما ناله من العلم اللّدنيّ الذي تمّ له عن طريق الكشف ليتمّ التصديق به ، لما فيه من دقة وعظيم شأن لا يناله إلّا من تهيأت له نفسه بعد تنقّيها وصرف كل ما هو مادي عنها ، لتبقى باللّه كي يتم لها المشاهدة الحقة ، وهو في هذا المقام لا يرى سوى اللّه ، وما ناله من العلم هو هبة ومنّة من اللّه تعالى فيقول : " . . . إذا علم الأشياء كلها من ذلك الوجه أي الوجه الخاص الذي بينه وبين اللّه ، وهو لكل مخلوق ، فهو ملازم لتلك المشاهدة ، والشؤون الإلهية والأشياء تتكون عن اللّه وهو ينظر إليها فلا تشغله مع كثرة ما شاهد من الكائنات في العالم ، وهو مقام الصدّيق في قوله :
" ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه قبله " وذلك لما ذكرناه من شهوده صدور الأشياء عن اللّه بالتكوين ، فهو في شهود دائم والتكوينات تحدث . فما من شيء حادث يحدث عن اللّه إلّا
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 653 .
( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، الجزء الثاني ، ص 99 .
( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 300 .