وهكذا تظهر صراحة ابن عربي في تعبيره عن مذهبه بعد تكتّمه وتستّره عليه فهو وحدة وجود شهودية لأنها تشهد الوجود الحق في صور الكون ، مجتمعة بوحدة واحدة غير متكثرة ، متمثلة في وجود الرحمن دون السوى ، وهذا أصدق دليل على مشاهدة الحق في كل شيء ، ولا يكون ذلك إلا من حيث عين الناظر فيقول : " فما في العالم جزء إلّا ويشاهد خالقه من حيث عينه لا من حيث عين خالقه " « 1 » وهذه المشاهدة التي لا تتعدى حدود المشاهد لنفسه فإنها تعكس صور الحق ، لأن الخلق صوره ومجاليه المختلفة ، ولذا فإن اللّه منزّه عن أن تشاهد حقيقته لأحد إلّا إذا صفا القلب وتخلّى عن كل صبغة مادية ووصل إلى درجة من النقاء والشفافية ، وقد حدد هذه الأمور في باب الوصايا للمشاهدة فقال : " إعلم أن علامة من يدّعي أنه يشاهد الحق إذا عكس مرآة قلبه إلى الكون يعرف ما في ضمائر جميع الخلق ، ويصدقه الناس في الأقوال والأفعال والأحوال " « 2 » . فابن عربي كما يبدو لا يدّعي الكمال لنفسه وأنّه مشاهد للحقيقة ، فهو إذ ينفي ذلك ويعترف بأنه مقصّر في هذا المجال ، وقاصر عن الوصول إلى هذا المقام الخطير لأن مشاهدة الحق موقوفة على الهيبة ، والهيبة تسكن ولا تحرّك « 3 » . لذلك فهو ينبّه الآخرين عن الوقوع في شرك الكلام فقال : " لا يغتر أحد بشقشقة اللسان ، فإنها لا تجدي نفعا " ويقرّ بضعفه قائلا : " ولست واللّه أرى نفسي من أهل هذا الشأن ولا من فرسان هذا الميدان " فالحقيقة المنعوتة بنعوت التنزيه تجل عن المشاهدة والرؤية لأنها " إذا شوهدت تفني كل عين سواها ، وإن تفاضلت مشاهدها في الشخص الواحد بحسب أحواله أو في الأشخاص لاختلاف أحوالهم لما أعطته الحقيقة أنه لا يشهد الشاهد منا إلّا نفسه ، كما لا تشهد هي منا إلّا نفسها ، فكل حقيقة للآخرين مرآة " المؤمن مرآة أخيه " « 4 »
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 575 .
( 2 ) البكري الصديقي ( مصطفى كمال الدين ) ، السيوف الحداد ، باب الوصايا ( المشاهدة ) ، ص 261 آخر صفحات المخطوط .
( 3 ) ابن عربي ، كتاب الشاهد ، ( الرسائل ) ، ص 6 .
( 4 ) الحديث : " المؤمن مرآة أخيه " ورد في سنن الترمذي كتاب البر والصلة 1862 . وفي قول آخر : " المؤمن مرآة المؤمن " سنن أبي داود 4272 .