ظاهرها فهي خلق ، وإن بدت في باطنها فهي حق ، فالحق هو هوية العالم
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
« 1 » حقيقة وكشفا ، ومن هنا صحّ في الذات ما قاله أبو مدين حين سئل : بما عرفت الذات فقال بجمعها بين الأضداد من حيث هو الأول والآخر والظاهر والباطن لتجليه تعالى في كل صورة ومظهر ، وعليه يمكننا القول أن ابن عربي لم يعط هذه القداسة للصورة التي وجد عليها الخلق إلّا لأنها على صورة من أوجدهم ، وهي من قبل النفس الإلهي ، إذ أن العالم فيما أعطاه الكشف ظهر من نفس الرحمن ، فهو بهذه الصورة هو الجوهر الهيولاني « 2 » ، ولهذا كان من مستلزمات النفس الإلهي أن يقبل صور العالم ، ولا ظهور لها إلا به ، فيقول : " فلهذا أخرج العالم على صورة من أوجدهم ، وليس إلا النفس الإلهي . . . فمن أراد أن يعرف النفس الإلهي فليعرف العالم ، فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي ظهر منه ، أي أن العالم ظهر من نفس الرحمن الذي نفّس اللّه به عن الأسماء الإلهية وما تجده من عدم ظهور آثارها . فامتنّ على نفسه بما أوجده في نفسه ، فأول أثر كان للنفس إنما كان في ذلك الجناب ثم لم يزل الأمر ينزّل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد " « 3 » . يقول شعرا :
فالكل في عين النّفس * كالضوء في ذات الغلس « * » . . .
ولقد تجلى للذي * قد جاء في طلب القبس
ويعقب ابن عربي على ذلك بالرد على من ينكر فكرة إيجاد اللّه للصور على شاكلته فيصفهم بأنهم ممن ليست لهم القدم في العلم باللّه " فلا يعلم أن اللّه تجليات في كل نفس ما هو على صورة التجلي الأول ، ولما غاب عنه هذا الإدراك ربما استضاء تجليا ودام عليه شهوده ، والطبع يطلبه بحقيقته فيدركه الملل ، وهو عدم احترام للجناب الإلهي " فإنّهم في لبس من خلق جديد " مع الأنفاس ، ولا تقل عن الأمر ليس كذلك ، فإن هذا من الأسرار الغامضة الإلهية التي قد حجب عن إدراكها خلقا كثيرا من أهل أرباب فتوح المكاشفة ، فكيف حال غيرهم فيها " « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية : 123 .
( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 144 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص . ص 144 - 145 .
( * ) الغلس : هي ظلمة آخر الليل ( المنجد ) ، فصوص الحكم ، ص 145 .
( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 730 .