تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
لا تعرف ولا يعرفه أحد من خلقه إلا بتجلّيه له فيعرّفه بنفسه حيث أنه لا طاقة لمخلوق في معرفة الخالق والكشف عن ذاتيته إلّا بالتجلي لقوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
« 1 » . فليس لتجليه حدود يقف عندها ، وتجلياته كما تبدو في ترق دائم لأن الخلق متجدد دائما ، وفي كل آن ، والتجديد ظاهر فيما لا يتناهى من صور الممكنات التي يتحقق فيها وجوده " فالتجلي الدائم أبدا مشاهد لكل الموجودات ظاهرا ما عدا الملائكة والإنس والجن ، فإن التجلي لهم الدائم ، إنما هو فيما ليس له نطق ظاهر كسائر الجمادات والنبات " « 2 » . ويضيف ابن عربي مبينا دور الحق تعالى في هذا التجلي الدائم أنه لا يتخلّى عن الكائنات لتسبيحها وحمدها له ، وهي الغاية الرئيسية لخلقها وإيجادها فقال : " فالحق على الحقيقة هو مدبّر العالم كما قال تعالى :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ
« 3 » يعني الدلالات على توحيده فيعطي كل خلق دلالة تخصّه على توحيد موجده . وفي هذا المجال نراه يميز بين نوعين من التجلي : تجلي غيب وتجلي شهادة ، فتجليه الغيبي هو تجلّيه لذاته في ذاته في الصور المعقولة لأعيان الممكنات ، وتجليه الشهادي هو تجليه وظهوره في صور أعيان الممكنات الموجودة في العالم الخارجي ، فقال : " أن اللّه تجليين ، تجلي غيبي وتجلي شهادي فمن تجلي الغيب يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب ، وهو التجلي الذاتي الذي الغيب حقيقته ، وهو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه : " هو " فلا يزال " هو " له دائما أبدا . فإذا حصل له هذا الاستعداد تجلّى له التجلي الشهودي في الشهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلى له كما ذكرناه ، فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
« 4 » " « 5 » ، ويرى أبو العلا عفيفي أن هذين التجليين هما هذان الفيضان أو الحضرتان المتقابلتان ، وهما أيضا المرموز إليهما
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 65 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 88 . ( 3 ) سورة الرعد ، الآية : 2 م . ( 4 ) سورة طه ، الآية : 50 ك . ( 5 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الشعيبي ، ص . ص 120 - 121 .