وعلى الجملة فإن ما يمكن قوله أن هذه العبارات التي وردت على لسان طاليس يمكن أن تعبر عن الاتجاه الذي كان سائدا بين الفلاسفة الطبيعيين آنذاك ، وهو الذي كان يرى في المادة قوة حيوية دافعة . والذي يمكن أن يقال عما فعله طاليس فهي تلك المحاولة الأولى لإرجاع الظواهر الكونية إلى أصل واحد على أساس منطقي والنظر إلى العالم على أنه وحدة متناسقة في الوجود « 1 » .
ويعتبر أنكسمندريس « * » أعظم فلاسفة المدرسة الملطية لما في تفكيره من عمق وأصالة ومنطق وتجريد « 2 » . كما يعتبر موقفه تطورا طبيعيا لفكرة طاليس ، لقد رأى أن الماء لا يمكن أن يكون مصدرا لجميع الموجودات ، ولا بد من أن تكون العلة الأولى شيئا عاما يقبل التشكلات المختلفة ، كما يقبل الأضداد ، لهذا فقد قال " باللامتناهي " السابق على العناصر أو " الأبيرون " كما يقال أو " اللامحدود " ، والأبيرون هذا أو اللامحدود أو اللامتناهي هو العنصر أو المبدأ الأول لسائر الموجودات « 3 » . ومما يراه أنكسمندريس في هذا الصدد أن اللامحدود كمادة أصلية خالد وأزلي لا يفسد ، ويحيط بالعالم من كل جهة ، وهذا الأبيرون لا محدود من حيث الكمّ ومن حيث الكيف ، فمن حيث الكيف ليس للأبيرون - اللامتناهي - أية صفة معينة في حد ذاته ، بل يشبه مزيجا وقد تعادلت فيه الصفات المتضادة تعادلا كاملا ، فافترض بذلك مادة أولية امتزجت فيها الصفات والكيفيات المتضادة بصورة متعادلة . فالجوهر الأول أو " الأبيرون " كتلة غير متمايزة الأوصاف ، ولكنها تحوي على جميع الأوصاف المعينة مختلفة بعضها عن البعض - والأبيرون لا محدود من حيث الكم أي لا محدد ، وسبب ذلك اعتقاده بوجود عدد لا يحصى من العوالم التي تقتضي وجود كمية لا محدودة من المادة الأولية ، فإذا كانت
هامش
( 1 ) أبو ريان ( محمد علي ) ، تاريخ الفكر الفلسفي ، الفلسفة اليونانية ، الجزء الأول ، من طاليس إلى أفلاطون ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1976 م ، ص 11 .
( * ) انتقلت إليه رئاسة المدرسة الملطية بعد طاليس وكان ازدهارها في منتصف القرن السادس ق . م أي حول عام 565 ق . م . ، ( أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي ، ص 61 ) .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 61 .
( 3 ) عطيتو ( حربي عباس ) ، مرجع سابق ، ص 20 .