ومما لا شك فيه أن ابن عربي كان متميزا برسوخ قدمه وثبات إيمانه ورباطة جأشه ، فرغم ما أصيبت به البلاد في اليمن والجزيرة من مصائب ، فإنه استمر في كتابة آثاره ، فكتب كتابه " الدرّة الفاخرة " ووضع فيها تراجم لشيوخه في التصوف في المغرب ، ومن أفاد منهم في حياته الروحية . وفي جولته إلى بلاد آسيا الصغرى وصل إلى قونية ، وقد أمضى فترة هادئة نسبيا في تلك السنة ، فألف كتابين هما : " مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية " و " رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار " « * » . وقد دوّن وثيقة سياسية بعث بها إلى كيكاوس سلطان بلاد الروم إجابة على استشارة في أمور الدولة المتصلة بالنصارى الذين يعيشون في مملكته ، وقد أجابه برسالة مطولة أوردها في " الفتوحات المكية " و " محاضرة الأبرار " قدّم فيها النصيحة المطلوبة مما كشف عن نفوذه لدى الملك « 1 » .
وقد شرح ابن عربي كتابه " ترجمان الأشواق " استجابة لطلب تلميذيه عبد اللّه بدر الحبشي وإسماعيل بن سودكين ، كي يسكت صوت الفقهاء المنكرين عليه قوله هذا بأنه من الأسرار الإلهية ، وسماه " الذخائر والأعلاق " « 2 » . أما " الديوان " فلا بد أنه ألّفه بعد ذلك ، أي بعد سنة 631 ه ، حيث تشيع في كل قصائده لهجة الوجد الصوفي وذلك بخلاف " ترجمان الأشواق " القائم على الرمزية الغزلية التي تتضمن لهجة شخصية واقعية عينية حيّة ، وتكثر فيه الألاعيب اللفظية والمفارقات بحيث تسلبها كل إلهام وحياة « 3 » .
وهكذا ، يكون من المستحيل أن نحدد تاريخا دقيقا لجميع مؤلفاته التي أنشأها ، وخاصة تلك التي وضعها في الفترة الأخيرة من حياته . ولا بد لنا أن نتساءل : ما موقف العلماء من مؤلفات ابن عربي ؟ .
هامش
( * ) هذان الكتابان من ضمن الثبت الذي ذكره ابن عربي للملك المظفر في إجازته له .
( 1 ) ابن عربي الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 638 . ( انظر بلاثيوس ، مرجع سابق ، ص 70 ) .
( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 106 ، ( انظر بلاثيوس ، مرجع سابق ، ص 75 ) .
( 3 ) ابن عربي : ديوان ابن عربي ، ص 144 - 146 ( انظر بلاثيوس ، مرجع سابق ، ص 89 ) .