« ومذ كنت طفلا فالمعالي تطلّبي * وتأنف نفسي كلّ ما هو واضع
ولي همّة كانت وها هي لم تزل * على أن لي فوق الطّباق مواضع
وقد كنت جمّاحا إلى كلّ هيئة * فخضت بحارا دونهنّ فجائع
وكلّ الأماني نلتها ، وهي إن علت ، * بها ، بعد نيل القصد ، ما أنا قانع »
ويخبرنا في كتابه « الإنسان الكامل » عن انتقاله ببركة شيخه الجبرتي من معراج الخسران ، سحر أحمر كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، إلى المعراج الثاني ، المعراج القويم . وكان ذلك في سماع بمدينة زبيد [ في اليمن ] ، في بيت الشيخ شهاب الدين أحمد الرداد ، عام 779 ه ، أي والجيلي في الثانية عشرة من العمر « 1 » . ويتأكد لدينا بكوره الصوفي ، عندما نعلم أنه كان لا يزال يافعا في السادسة عشرة من عمره ( عام 783 ه ) ، حين أرّخ لأول مشهد تحقّق به [ بحسب ما وصل إلينا من نصوصه ] ، وهو مشهد من مشاهد إرادة الانسان الكامل ، دوّنه في كتابه « المناظر الإلهية » « 2 » .
وحيث أن الحاجات الروحية هي المحرك الأساس لحياة الجيلي ، والروح صفتها السريان والانتشار وعدم الانحباس ، فها هو مسافر في أرض الكون والناس . .
وسفره كتفتّحه الروحاني كلاهما أسهما في تحررّه من رقّ التواطؤ الاجتماعي ، ودعما بناءه العرفاني منذ بدايات وعيه لأناه وللآخرين .
أول سفر قام به ، بحسب ما نقّدر من النصوص الواصلة إلينا ، هو سفره إلى قرية الأنفة [ في اليمن ] ، ولقاؤه مع الشيخ الصوّفي أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن يوسف المكدش ، وقد ذكر هذا اللقاء في كتابه « المناظر الإلهية » ، وأخبر بأنه رأى من هذه الزيارة في « أيام بدايته » بركات كثيرة « 3 » . ونرجح أن هذا اللقاء بالشيخ المكدش وتحققه بمشهد من مشاهد إرادة الإنسان الكامل هما - تقريبا - منزامنان ؛ أي والجيلي لا يزال في السادسة عشرة من عمره .
ويذكر الجيلي سفرا من البيت الحرام إلى مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، جرى له فيه واقعة
هامش
( 1 ) الإنسان الكامل ، ج 2 ص 24 .
( 2 ) الجيلي ، المناظر الإلهية ، مكتبة الجندي ، مصر ، 1962 م ، ص 79 .
( 3 ) م . ن ، ص 78 .