يوضح النصّ ان المقام حقيقة معنوية يوجدها المقيم ، فالتوبة مثلا لا وجود لها بمعزل عن التائب ، بل التائب هو الذي يخلقها بإقامته فيها .
* * * * لواردنا ان نستقصي مقامات الشيخ الأكبر لاستوجب ان نفرد لها بحثا خاصا فهو قد أضاف إلى منازل السائرين المئة مئات 7 ، ومن الاجدى ان ننبه إلى نقطة مهمة ، وهي ان ابن عربي يناقش آراء المتقدمين في المقامات ويشرحها ، دون ان يتنصل من النصوص بل العكس ، طريقته في شرحها توحي بأنها جزء لا ينفصل من فتوحاته ، أو انها في الواقع بدايات مقاماته . مثلا : يشرح ويحدد مقام التوبة 8 عند السلف دون ان ينتقد أو يتنصل من الصاق الكلام به ، ثم في مرحلة ثانية ينتقل بالمقام إلى مرتبة أعلى .
ونحن امام خيارين : اما ان المقام له ترق . فيكون مقام السلف بدء مقاماته . واما ان ابن عربي يورد المقامات عند السلف ليدحضها ويبين سذاجتها .
ونميل إلى جمع الرأيين معا : فابن عربي من ناحية ، بنزعته الموحدة يستوعب كل كثرة ظاهرة . ومن ناحية ثانية ، يتميز عن السلف بنظرة خاصة إلى الأمور . ونستطيع ان نلخص بجرأة مئات المقامات ، التي يوردها ابن عربي للخلق بمقام واحد .
ودليلنا في هذا التلخيص ، صفة واحدة مشتركة بين المقامات جميعا ، في آخر مرحلة من مراحل تطورها وترقيها .
يتكلم ابن عربي على : مقام التوكل ومقام ترك التوكل - مقام الشكر ومقام ترك الشكر - مقام اليقين ومقام ترك اليقين - مقام الصبر ومقام ترك الصبر . . . وهكذا يعدد المقامات جميعا ، مع المقامات التي تعلوها ، وهي مقامات تركها 9 .
اما السبب الذي يدعو السالك إلى الترقي عن المقام ، بتركه ، فهو رؤيته لافتقاره وامكانه . فالسالك ثابت في العدم 10 ، لا وجود له مع الحق . اذن ، ترك المقام أولى .
ويمكن على هذا الأساس تلخيص كل المقامات بمقام واحد : هو مقام الافتقار أو العبودية .
المعجم الصوفي — صفحة 932
مساهمون: سعاد الحكيم
ص٩٣٢