ومن هنا أهمية ابن عربي في كل عمل موسوعي يتناول التصوف . فهو من جهة يمثل قمة تفتح امكانات التجربة الصوفية عبر تطورها التاريخي . كما أنه من جهة ثانية ، يتمتع بطاقة غريبة على خلق المفردات ، لكأني به يشعر بامتلاكه الشيء عند تسميته . فهو عندما يحاول ان يشرح للقارئ مثلا : حالا من الأحوال ، أو عالما من العوالم ، أو مرتبة من المراتب الكونية ، أو حكما من الأحكام . . يوضح مظاهره ، والأهم من ذلك كله يعطيه : اسما . وهذه الرغبة الملحة لديه في تسمية الأشياء لامتلاكها . خلقت لغة جديدة . لغة استطاعت ، ان تضع امام كل أفكار التصوف السابقة وجزئياته : أسماء و « مفردات » .
كل ذلك يبرر ظهور « معجم صوفي » من جهة ، ويحتم نسبته إلى الشيخ الأكبر من جهة ثانية . فهو « قطب » اللغة الصوفية ومفرداتها . وكل « مفرد » يطالعنا في نصوص أرباب الصوفية : اما انه يتجه إلى التكامل عنده ، أو عالة عليه .
ولكن هل تحققت هذه اللغة الجديدة باصطلاح فيه بعض من ثبوت أعطاها اسم اللغة ؟
نجيب عمليا عن هذا السؤال ، بنقاط نستخلصها من منهج ابن عربي في نظرته إلى المفردات .
1 - افراغ الكلمة من إشارة مضمونها الذاتية :
لقد نقل ابن عربي مضمون بعض المفردات ( كالتوكل والاستقامة . . ) من وجود منطقي إلى وجود واقعي . فالتوكل مثلا في التصوف الكلاسيكي له إشارة ذاتية تميز صاحبها بصفة خاصة لا يتمتع بها غير المتوكل . على حين ان ابن عربي ، بعد بيانه معنى التوكل عند السابقين ، ينقلنا إلى نظرته الخاصة فهو لم يميز المتوكل عن غيره ، فعلى صعيد الواقع
Realite
كل انسان هو متوكل شاء أم أبى 1 ، لأن الفاعل الحقيقي لكل شيء وفي كل شيء هو اللّه .
- - - - -
( 1 ) كذلك كل مخلوق ، مستقيم ، لأنه يؤدي الدور الذي خلق من اجله .
راجع « استقامة » في هذا المعجم .
- - - - -