فالتجربة الصوفية ، حيث تقف « ذات » المتصوف في مواجهة موضوع حبها أو معرفتها . هي تجربة جوانية تتحرك في اطار ذاتية معيشة ، بعيدا عن الحروف ، والكلمات . . بعيدا عن « الآخرين » . وهي تجربة قرب وعرفان مجالها الحيوي :
القرآن والسنة . تجربة اسلامية من نمط قرآني خاص :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ »
[ 2 / 282 ] »
« وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
1 [ 3 / 191 ] .
أما التعبير عن هذه التجربة ، فهو خروج من الذاتية والجوانية إلى « الآخرين » ، هي عودة الصوفي من رحلته في « الأعماق » إلى « الآفاق » .
وهنا تأخذ هذه الجوانية اشكالا لدى التعبير عنها : تأخذ لغة « الآخرين » .
وهذا منسجم تماما مع السنّة ، « أمرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم » ، فالخطاب تنزّل من عوالم « الذات » في اطلاقها إلى حدود الحرف . . إلى افهام الآخرين . . إلى « قدر العقول » .
وهنا على مستوى التعبير ، تدخل العبارات والاصطلاحات والمفاهيم السائدة في زمن الخطاب ، فيتناولها « الصوفي » ليعبر بها عن تجربته ، في محاولة تواصل مع « الآخرين » . فتظهر بالتالي مفردات نجد جذورها في فلسفات شرقية ويونانية ، تظهر على مستوى « التعبير » ، وهي المرحلة التي تلي صفاء ونقاء التجربة .
ولكن هل عبّر المتصوفة عن تجربتهم بلغة الآخرين ؟
- وهنا تنتفي إمكانية معجم صوفي . وتظل دراستهم محصورة بالنظريات - أم خلقوا من تجربتهم لغة جديدة ؟
- - - - -
( 1 ) ان القرآن يدفع الانسان إلى التفكر في كل شيء ، في كل قضية ما عدا الذات الإلهية ، يدفعه من كونه عاقلا وليس مؤمنا فقط ، فظهر فعل التعقل في القرآن مخالفا للعقل اليوناني أو الأوروبي - الكانتي ، فهو فعل يقوم به الانسان بجملته ، انه نتاج الانسان ككل يمتزج فيه المعقول باللامعقول من حيث كونه واقعا . . حادثا .
فالواقع يتخطى المعقول بامتزاجه بطاقات خفية يسعى الانسان للتوصل إليها ، حتى العلم الحديث نفسه يتجه إلى الطاقات الخفية في الانسان ، والعلم الانساني إلى اليوم محدود ، حتى العلم بأقرب الأشياء الينا وهو جسدنا نحن إلى اليوم نجهل عنه الكثير ، فكيف بأرواحنا وأنفسنا ؟ وما إلى ذلك من كونياتنا المغيبة عن بصرنا ، الحاضرة في واقعنا .
- - - - -