ويمكننا إجمال ما ذهب إليه التصوف الإسلامي من حقائق بإدراك الأبعاد والمبادئ والمعارف التالية المشكّلة مضمون المفاهيم الصوفية في تشكّلها وتعدّدها بدءا بما سمّي التصوف المعتدل وانتهاء بالتصوف المغالي :
1 - أخذ الصوفية بعضا من المعتقدات الوثنية وتبنّوها في انقطاعهم عن الدنيا .
فلبسوا الصوف وهو مرتبط بالحيوان الذي يقدّمه ، أي بالفداء والتضحية ، وكان البعض منهم ينقّل قطعة من ثوب الصوفي بين مريديه ، وتناقل البعض ثوب الريش والطاقية . واعتبروا الأماكن المرتفعة مسكن الأرواح التي حلّت في الأشجار الكبيرة أيضا ، وفي مسكن الطيور الملاصقة للبيوت . وتحدّثوا عن جان وأرواح شريرة وعلاقات مع الأنس وأصوات متنوّعة « 1 » . وارتدّ المتصوفة إلى مظاهر وفنون موغلة في القدم كالرقص الجماعي والغناء والقرع على الطبول ، وهذه المظاهر استمرّت في رقصات الدراويش والمولوية . ولا سيما أن الحج الجاهلي عند العرب كان « مكاء وتصدية » أي صفيرا ورقصا جماعيّا .
وهو يشابه الاحتفالات الهندية . علما أن هذه الاحتفالات تؤدّي إلى النشوة والفرح والراحة النفسية والاتصال بما وراء الطبيعة « 2 » . وتؤدّي بعض الرقصات إلى توجيه الراقصين السلاح إلى أنفسهم فيطعنون ذواتهم « 3 » . والحديث عن عدم الشعور بالألم إبّان الطعن في احتفالات شيء مألوف لدى بعض فرق الصوفية عندنا وفي بعض المناسبات مثل ( خميس الدعسة ) .
2 - حدث تداخل بين التصوف وبعض العلوم في عصر التصوف . كعلم الصنعة أو الكيمياء ، الذي يسعى إلى تحويل المعدن الخسيس إلى ذهب ، فهو يسلب خواص ويقيم خواص « 4 » . وعمل التصوف على الإعلاء والتسامي بمحاولة تحويل الإنسان العادي إلى الأشرف والأسمى والأنبل . كما حدث التداخل مع علم السيمياء المهتم بأسرار الحروف وإشاراتها . إذ ذكر ابن خلدون أن هذا العلم حدث « عند ظهور غلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس ، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر » « 5 » .
هامش
( 1 ) الشبلي ، بدر الدين ، كتاب آكام المرجان في أحكام الجان ، القاهرة ، مطبعة السعادة ، 1326 ه .
( 2 )jung et al , man and his symbols , new york , laurel edition , 1971 , p . p . 262 - 263 .( 3 )Ibid , p . 21 .( 4 ) ابن النديم ، الفهرس ، ص 418 .
( 5 ) ابن خلدون ، المقدمة ، ( السيمياء ) .