بعد ، لأنّ المحدود لا يعرف غير المحدود . أمّا الأفراد الذين وصلوا إلى الفَناء المطلق فلم يعد لديهم وجود ليعرفوا الله ، لأنّ الوجود هو وجود واحد لا غير ، وهو وجود الحقّ جلّ وعلا ، فهو الذي يعرف نفسه ، عرفها أوّلًا كما يعرفها الآنَ ؛ والآنَ كَمَا كَانَ .
إنّ نهاية سير كلّ موجود هو الفَناء في الموجود الأفضل والأعلى منه ، أي فناء كلّ ظهور في مُظهره ، وكلّ معلول في علّته ؛ ونهاية سير الإنسان الكامل الذي وصلت جميع قواه وإمكاناته إلى مرحلة الفعليّة هو الفناء في الذات الأحديّة والفناء في ذات الله سبحانه ، والفناء في « هو » ، والفناء في ما لا اسم له ولا رسم له .
فهذه هي غاية سير كلّ موجود وغاية السير المتصوّرة للإنسان الكامل ، وغاية سير الأنبياء والمرسلين والأئمّة الطيّبين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، والمراد والمقصود الصحيح من المعرفة ونتيجة السلوك والسير نحو مقامه المقدّس جلّ شأنه والسير العمليّ العرفانيّ والبحوث العلميّة للعرفاء بالله علت أسماؤهم ؛ لا شيء آخر سواه .
فَتَأمَّلْ يَا أخِي في هَذَا المَقَامِ فَإنَّهُ مِنْ مَزَالِّ الأقْدَامِ . وَهَبَكَ اللهُ هَذَا بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجْمَعِينَ . 1
هامش
1 - ولربّما أشار إلى هذا المعنى بيتا الشعر اللذان أنشدهما صدر المتألّهين الشيرازيّ في العشق وعرفان الله ؛ قال :آنان كه ره دوست گزيدند همه* در كوى شهادت آرميدند همهدر معركة دو كون فتح از عشق است* هر چند سپاه أو شهيدند همهيقول : « إنّ أولئك الذين اختاروا سبيل الحبيب قد رقدوا جميعاً في طريق الشهادة .
ولقد كان الفتح والظفر بين الجانبَين من نصيب العشق مع أنّ جنده قد استشهدوا جميعاً » .
قيل إنّه لم ينشد بالفارسيّة غيرهما ؛ لكنّه ذكر في تفسير سورة السجدة ، طبعة أنتشارات بيدار ، ص 10 أبياتاً بالفارسيّة في عظمة القرآن ، وفي ص 34 أبياتاً بالفارسيّة أيضاً في عظمة رسول الله وارتباطها مع يوم الجمعة ، وقال : أنشدتُ هذه الأبيات في حال الوجد .