فقال ابن عبّاس : أمّا قولك : إنّ قريشاً كرهت ، فإنّ الله قال لقوم [ يستحقّون الهلاك لكراهتهم حكم الله ] : ذَلِكَ بِأنهُمْ كَرِهُوا مَا أنْزَلَ اللهُ فَأحْبَطُ أعْمَالَهُمْ » . « 1 »
وأمّا قولك : إنّ قريشاً اختارت ، فإنّ الله يقول : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ . « 2 »
فلم يجبه عمر غير أنه غضب عليه . « 3 »
ونرى هنا أنّ عمر قد خلط بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة للّه ، وأخطأ ؛ وجواب ابن عبّاس المفحم قد قطع عليه الطريق . وجواب عمر هذا كقول عبيد الله بن زياد للسيّدة زينب سلام الله عليها في مجلس دار الإمارة بالكوفة : الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَتَلَكُمْ وَأكْذَبَ احْدُوثَتَكُمْ .
فقال زينب سلام الله عليها : « كَتَبَ اللهُ عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم » لا ينافي ارتكابك وارتكاب يزيد للقتل من وحي الجريمة . وإرادة الله لا تمنع قبح فعلكما ؛ ولا تسلب منكما الاختيار . ويزيد أيضاً في الشام ينسب قتل أهل البيت إلى الله ، ويرى أنّ حكومته من الله .
وكثيراً ما نجد في تأريخ بني العبّاس سلاطينهم قد مُنوا بهذا الخبط ؛ فعزوا أعمالهم القبيحة إلى الله ، واعتبروا سلطتهم وحكومتهم من الله لما رأوا من وجودها بأيديهم . وأمّا عدم خلافة أئمّة أهل البيت عليهم السلام فإنّهم اعتبروا ذلك ناتجاً عن عدم التقدير الإلهيّ ، ونابعاً من عدم أحقّيّتهم .
هامش
( 1 ) - الآية 9 ، من السورة 47 : محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم .
( 2 ) - قسم من الآية 68 ، من السورة 28 : القصص .
( 3 ) - « الإمام عليّ بن أبي طالب » لعبد الفتّاح عبد المقصود ، ج 1 ، ص 220 ، طبعة منشورات مكتبة الوفاق ، بيروت .