حَتَّى إِذا دَارَت رَحَى بَغْيِهِمْ * عَلَيْهِم وَسَبَقَ السَّيْفُ العَذَلْ
عَاذُوا بِعَفوِ ماجِدٍ مُعَوَّدٍ * لِلْعَفْوِ حَمَّالٍ لَهُم عَلَى العِلَلْ
فَنَجَّتِ البُقْيَا عَلَيْهِم مَن نَجَا * وَأكَلَ الحَديد مِنْهُمْ مَنْ أكَل
أطَّتْ بِهِمْ أرْحَامُهُمْ فَلَمْ يُطِعْ * ثائرَةُ الْغَيْظِ وَلَمْ يَشْفِ الغُلَلْ
ومنها : أنّا ما رأينا شجاعاً كان جواداً وسخيّاً قطّ . كان عبد الله بن الزبير شجاعاً وكان أبخل الناس . وكان الزبير أبوه شجاعاً وكان شحيحاً قال له عمر : لو وُلّيتها ، لظلتَ تُلاطِمُ الناس في البطحاء على الصاع والمُدّ . وأراد عليّ عليه السلام أن يحجُر على ابن أخيه عبد الله بن جعفر لتبذيره المال ، فاحتال لنفسه ، فشارك الزبير في أمواله وتجاراته ؛ فقال عليه السلام : أما إنّه قد لاذ بملاذ ، ولم يحجُر عليه . وكان طلحة شجاعاً وكان شحيحاً ، أمسك عن الإنفاق حتى خلّف من الأموال ما لا يأتي عليه الحصر . وكان عبد الملك شجاعاً وكان شحيحاً ، يُضرَب به المثل في الشحّ ، وسمّي : رَشْحُ الحُجْر ، لبخله .
جلّ معناك أن يحيط بك الشعر !
وقد علمتَ حالَ أمير المؤمنين عليه السلام في الشجاعة والسخاء ، كيف هي ! وهذا من أعاجيبه أيضاً عليه السلام « 1 » . وقد ذكر هذا المعنى الأديب الشاعر الشيخ صفّي الدّين عبد العزيز بن سِرايا الحلّيّ ، فقال :
جُمِعَتْ في صِفَاتِكَ الأضدادُ * فَلِهذا عَزَّتْ لَكَ الأندادُ
زَاهِدٌ حَاكِمٌ حَلِيمٌ شُجَاعٌ * فَاتِكٌ نَاسِكٌ فَقيرٌ جَوادُ
شِيمٌ ما جُمِعنَ في بِشَر قَطْ * وَلَا حازَ مِثْلَهُنَّ الْعِبادُ
خُلُقٌ يُخجِلُ النَّسِيمَ مِن اللُّطْفِ * وَبَأسٌ يَذُوبُ مِنْهُ الجَمادُ
ظَهَرَتْ مِنكَ في الوَرى مَكرُمَاتٌ * فَأقَرَّت بِفَضْلِكَ الحُسَّادُ
هامش
( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » لابن ابن الحديد ج 1 ، ص 16 وص 17 .