أي اننّا في نفس اللحظة التي نحمدك فيها ونُثني عليك بجميع مراتب الجمال والكمال ، فانّنا نُنزّهك ونقدّسك عن أن يكون حمدنا لائقاً بمقام عزّك وجلالك وعظمتك :
سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلى وَبِحَمْدِهِ - سُبحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ -
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
« 1 » .
فرعد السّماء والملائكة يُسبّحون الله مع حمدهم له على الدوام ، وذلك خوفاً منه وإحساساً بحقارتهم أمام عظمته :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 2 » .
إنّ جميع الموجودات بلا استثناء تعترف بتحميدها وتمجيدها بعدم وصول الحمد والشكر إلى ساحة قُدسه ، ولذا فانّها تقوم - مع حمدها - بالتنزيه والتقديس وتعتبر ذات الباري المقدّسة أعلى وأنزه من أمثال هذا الحمد . أمّا عباد الله المخلصين الذين لا يُشاهد فيهم أي جانب مستقلّ للوجود ، فقد صار وجودهم وجوداً للحقّ ، وقلوبهم عرشاً لذاته ؛ فإنهم يستطيعون أن يحمدوا الله كما يليق به . وفي الحقيقة فانّ الله يحمد نفسه بنفسه .
عدم منافاة هذا المقام مع جملة ( مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ )
وهذا التقريب لا يُنافي جملة ( مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ ) ، لأنّ مفاد هذه الجملة عرض الذلّ والفقر في عالم الإمكان والكثرة ، كما انّ مفاد :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
« 3 » .
هو تحقّق الفناء الحقيقي في جميع مراتب الأسماء والصّفات وذات
هامش
( 1 ) - صدر الآية 13 ، من السورة 13 : الرعد .
( 2 ) - ذيل الآية 44 ، من السورة 17 : الإسراء .
( 3 ) - الآية 159 و 160 ، من السورة 37 : الصافّات .