وينبغي العلم بأنّه لمّا كانت الجنّة عالم التجرّد والإطلاق فكلّ ما شاء المؤمنين واشتهوه وجدوه حاضراً في متناول أيديهم ، أي أنّه سيكون حاضراً بمجرّد تحقّق رغبتهم ومشيئتهم الباطنيّة .
لَهُم ما يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ . « 1 »
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ . « 2 »
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . « 3 »
وأكمل هذه الآيات دلالةً على نيل أصحاب الجنّة لما يشتهون ، قوله تعالى : وَهُمْ في مَا اشْتَهَتْ أنفُسُهُمْ خَالِدُونَ . « 4 »
فكلّ كمال تمتلكه النفس ، وكلّ مقصود تسعى إليه ، وكلّ مشتهى تشتهيه وترغب فيه ، فإنّها ستخلّد في ذلك الكمال وذلك المشتهى ، وتقف عنده .
ومن هنا ، فالذين يقصرون هممهم على الحور والقصور والأنهار واللذّة دون أن يقصدوا لقاء الله تعالى ، سوف لن يمّحون في جمال الحضرة الأحديّة ، وسيخلّدون في تلك المشتهيات والأماني .
إنّ للجنّة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - درجات ومقامات مختلفة ، وإنّ لأصحاب الجنّة درجات متفاوتة ، وإنّ كلًا منهم سيخلّد في مشتهياته ونواياه ، وبمقدار همّته وسعة صدره .
وينبغي العلم بأنّ جميع الآيات الواردة في وصف خصوصيّات الجنّة
هامش
( 1 ) - الآية 34 ، من السورة 39 : الزمر .
( 2 ) - الآية 71 ، من السورة 43 : الزخرف .
( 3 ) - الآية 31 ، من السورة 41 : فصّلت .
( 4 ) - الآية 102 ، من السورة 21 : الأنبياء .