وأنّ آخر دعواهم وكلامهم يتمثل في حصر جميع مراتب التمجيد والثناء والحمد في الذات القدسيّة لربّ العالمين . أي أنّهم قد بلغوا آنذاك مقام العرفان الحقيقيّ ، فحصروا الأفعال والصفات والأسماء والذوات في الذات القدسيّة لحضرة ذي الجلال ، وصاروا يرون نوره متجلّياً في جميع مظاهر وعوالم المُلك والملكوت ، ويشاهدون العالم بأسره نوراً وضياءً وشعاعاً من بريق الشمس الساطعة للحضرة الأحديّة .
إنّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ، وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إلى صِرَاطِ الْحَمِيدِ . « 1 »
ونلحظ في هذا المجال أنّ الآية عدّت أفضل هدايا الجنّة وتُحفها مجسّدة في القول الطيّب وسبيل العزّة الذي يرتضيه الله تعالى . والحقّ أنّ هذا الكلام الحقيقيّ الحاكي عن محض الواقع وحقيقة العرفان يفوق كلّ لذّة وبهجة وسرور .
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ، وَقَالُوا الْحَمْدُلِلَّهِ الذي أذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ، الذي أحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ . « 2 »
حيث إنّ عنوان حمد الله ، وإسناد إذهاب الحَزَن إلى الله تعالى ، والثناء عليه عزّ وجلّ بصفتَي « الغفور » و « الشكور » ، ونسبة الإحلال في دار المقامة إليه تعالى ، إضافة إلى عدم حسّ التعب واللغوب ، هي أمور تدلّ
هامش
( 1 ) - الآيتان 23 و 24 ، من السورة 22 : الحجّ .
( 2 ) - الآيات 33 إلى 35 ، من السورة 35 : فاطر .