ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلَا شَفِيعٍ . « 1 »
ويدعم هذا المطلب كلامنا الذي ذكرناه في مقام الشفيع ومنزلته ، القائل بأنّ الشفاعة لا تتحقّق بدون الفناء في الله عزّ وجلّ . ويتّضح هذا الأمر أيضاً من قوله تعالى :
وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أذِنَ لَهُ حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيرُ . « 2 »
لأنّ عبارة : فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ بمعنى كشف الفزع والصعق الذي يسبب فقدان الإنسان لوعيه ، وانغماره في حالٍ من الذهول . وحين ترتفع هذه الحالة ويعود إلى الإنسان وعيه وإدراكه - أي في الوهلة الأولى بعد الفناء والغيبوبة عن عالم الكثرات والنفس - فسيقولون : إنّ الله قد قال الحقّ . فالشفاعة - إذاً - تحصل بعد مقام الفناء .
وبمقارنة آية : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إلَّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ « 3 » مع الآية السابقة : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلَا شَفِيعٍ ، « 4 » فإنّنا نلحظ اتّحاد سياق الآيتين ، وأنّ الآية الأولى تضمّ عبارة : مَا مِن شَفِيعٍ إلَّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ بدلًا من عبارة : مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلَا شَفِيعٍ . ولمّا كان تحقّق الشفاعة - لغير الله - لا يحصل إلّا بعد إذن الله تعالى ورضاه ، فيستفاد من ذلك أنّ فعل الشافع في شفاعته سيكون - بعد إذن الله تعالى - هو فعل الله عزّ وجلّ ، لحصول الشخص الشفيع من
هامش
( 1 ) - الآية 4 ، من السورة 32 : السجدة .
( 2 ) - الآية 23 ، من السورة 34 : سبأ .
( 3 ) - الآية 3 ، من السورة 10 : يونس .
( 4 ) - الآية 4 ، من السورة 32 : السجدة .