حسب ما يشاء ، فما العلوم إذاً إلّا رشحاً من علم الله تعالى ، أمّا حقيقة العلم فمختصّة به عزّ وجلّ ، وليس لموجود غيره حظّاً من العلم ذاتيّاً : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَآءَ . « 1 »
فيكون أولئكم الشفعاء قد فنوا في الذات الأحديّة وانعدموا فيها مع علمهم ، فتجلّى فيهم علم الله الذي لا يعتريه الخطأ .
أجل ، إنّ الأنبياء والسابقين من المرضيّين عند الله عزّ وجلّ والمقرّبين إلى ساحة الحقّ تعالى ينفون عن أنفسهم أي نوع من العلم ، وعندما يخاطبون ربّهم فإنّهم يقولون : لا علمَ لنا .
يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ اجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنآ إنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . « 2 »
ولا بدّ لنا من معرفة علّة نفي الرسل عن أنفسهم العلم بمختلف وجوهه ، وإن كان ضئيلًا ، مع كونهم من حملة العلوم في الدنيا التي تفوق علوم سائر الناس أصالة وصدقاً وكمّيّة .
كانوا يفعلون ذلك ، لأنّهم قد بلغوا مقاماً ودرجةً صاروا معهما يرون الله سبحانه مصدراً لجميع العلوم ، وقد أزيح حجاب كثرات العالم عن بصائرهم ، فوصلوا إلى مقام التوحيد والمعرفة ، فصار مع الخطأ عندهم أن ينسبوا إلى أنفسهم تلك العلوم ، لأنّ العلم مختصّ بذات الحقّ ، وليس عندهم أكثر من تجلّي العلم فيهم .
ولقد استقام أولئكم على طهارتهم الذاتيّة الأصيلة ، ووفوا بعهدهم وميثاقهم مع ربّهم عزّ وجلّ ، فأضحى علمهم علم الله تعالى على ضوء وعده
هامش
( 1 ) - الآية 255 ، من السورة 2 : البقرة .
( 2 ) - الآية 109 ، من السورة 5 : المائدة .