ذهنكم أمّا أصل تلك اللحظات فثابت في الذهن الكلّيّ لهذا العالم .
وإذا فُرض الآن أنّكم رقيتم إلى ما فوق عجلة الزمان ، فإنّكم سترون الجميع ؟ وسترون معجزات النبيّ موسى ويده البيضاء والعصا والثعبان ، وترون معجزات رسول الله وجميع ما فعله الأوّلون والآخرون من الجنّ والإنس ، وكلّ واحد من الجمادات سواء فوق الأرض أم تحتها ، وكلّ ما في السماء ، وجميع الحيوانات والملائكة وطائفة الجنّ ، فهي بأجمعها موجودة وثابتة في أمكنتها المعيّنة دون ذرّة واحدة من زيادة أو نقصان .
لقد كان المرحوم والدي رحمة الله عليه يقيم صلاة الجماعة في هذا المسجد ، وقد انقضى على رحيله عن الدنيا ثلاثون سنة . افرضوا أنّه كان قد أقام صلاة المغرب والعشاء قبل خمس وثلاثين سنة ، وأنّه جلس في مثل شهر رمضان هذا مقابل الناس وانهمك بتفسير سورة الأعلى ، وأنّ كورة « 1 » عمامته كان آنذاك مفتوحاً ومُنساباً إلى الأسفل ، وأنّ جزءاً من حافّة الكورة قد اكتنفه الغبار .
ولو شاهدتم الآن ذلك المجلس بعين البصيرة لا بعين البصر ، أي بعينٍ فوق الزمان ، لرأيتموه جالساً وقد استقبل الناس بوجهه ، مشغولًا بتفسير سورة الأعلى ، وكورة عمامته مسدله وقد اغبرّ جزء من حافّتها ، ولكانت جميع الخصائص ، حتّى تغيّر السحنة والقسمات والتبسّم وحركة اليدين ، مشهودةً بأجمعها . ولو اجتمع الأوّلون والآخرون فأرادوا في عالم الوجود أن يزيلوا غبار العمامة ذلك ويعدمونه لما استطاعوا ، ولو شاءوا أن يزيدوا أو ينقصوا من عدد أنفاسه لما استطاعوا ، ولو شاءوا أن يعدموا قطرة عرق واحدة من جبينه لما استطاعوا .
وما أعجب ما تبيّن آيات القرآن المباركة هذا الأمر بجلاء ووضوح :
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنَا
هامش
( 1 ) - كورة : دوره لف العمامة . ( المنجد ) .