نظرية المتكلّمين في المعاد الجسمانيّ :
إنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرّقات أجزاء مادّيّة لأعضاء أصليّة باقية عندهم ، وتصويرها مرّة أخرى بصورة مثل الصورة السابقة لتتعلّق النفس بها مرّة أخرى ، ولم يتفطّنوا بأنّ هذا حشرٌ في الدنيا لا في النشأة الأخرى ، وعودٌ إلى الدار الأولى دار العمل والتحصيل لا إلى الدار العقبى دار الجزاء والتكميل ؛ ( وهي عقيدة تعود إلى التناسخ ) فأين استحالة التناسخ ؟ وما معنى قوله تعالى : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أن نُّبَدِّلَ أمْثَالَكُمْ نُنشِئَكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ . « 1 » وقوله تعالى :
نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أسْرَهُمْ وَإذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا . « 2 »
ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يُباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين ، وأنّ الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع إلى الله أو القرب منه ، لا العود إلى الخلقة المادّيّة والبدن الترابيّ القذر الظلمانيّ .
استدلال الفخر الرازي على المعاد الطبيعيّ ، والردّ عليه
ثمّ جعل الفخر الرازيّ في « التفسير الكبير » يستدلّ على إثبات ما فهمه وتصوّره من معنى الحشر والمعاد بآيات قرآنيّة وقعت في باب القيامة والبعث ، ويحملها على ما وافق طبعه ورأيه . فقال : إنّ قوله تعالى في سورة الواقعة من الآيات إشارة إلى جواب شبهة المنكرين الذين هم من أصحاب الشمال المجادلين ، فإنّهم قالوا :
أئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أوَ ءَابَآؤُنَا الأوَّلُونَ . « 3 »
هامش
( 1 ) - الآيتان 60 و 61 ، من السورة 56 : الواقعة .
( 2 ) - الآية 28 ، من السورة 76 : الإنسان .
( 3 ) - الآيتان 47 و 48 ، من السورة 56 : الواقعة .