التوحيد « 1 » ، ووحدة الوجود « 2 » ، والتجليات « 3 » ، والحقيقة المحمدية « 4 » . ولم تكن هذه المشكلات موضوعات لمؤلفات مستقلة ، وإنما كانت - على عكس ذلك - مبعثرة عبر هذا الكمّ الهائل من كتابات ابن عربى .
ونستطيع أن نشبه صنيع الشيخ هذا بصنيع واحد من كبار الموسيقيين وقد ألّف في مخيلته لحنا موسيقيا خالدا ، ثم راح يقطع أجزاء هذا اللحن ، ويوزعه على وحدات متفرقة تستوعب اللحن الذي تصوره في مخيلته ، فاللحن موجود ، بيد أنه يتطلب من الباحث عنه جهدا خارقا لكي يجمع أجزاءه وينظمها في وحدة متكاملة .
ولئن كانت دهشتنا بالغة فيما يتعلق بضخامة أعمال ابن عربى ، فإنها لدهشة بالغة كذلك أن نعرف أن هذه الأعمال ما كانت ثمرة لحياة هادئة نعم فيها ابن عربى بالوحدة ، ووجّه كل اهتماماته فيها نحو البحث والدرس ، بل كانت ثمرة لحياة خصّص فيها الجانب الأكبر للحياة الروحية : الخلوة ، والرياضة ، والتأمل ، والرحلات والأسفار ، وها نحن نرى الشيخ يجوب أقطار المغرب والمشرق متعرفا على الأشياء وعلى الأشخاص ؛ وكأنه فراشة تتحرق شوقا إلى نور تهيم في سناه ، بيد أنها لا تحترق به أبدا ! وهاك نموذجا من رحلات الشيخ :
في شهر ربيع الأول من عام 600 ه نجد الشيخ الأكبر في مكة مجاورا للكعبة في البيت الحرام ، غارقا في تأملاته ، وشارحا ديوانه الخالد : « ترجمان الأشواق » لطائفة من تلاميذه الذين كانوا يتحلقون حوله هناك ؛ وفي شهر صفر من عام 601 ه نجده ببغداد مستهلكا في ذات الاهتمامات الروحية ؛ وفي 7 رجب من نفس العام يصل إلى « الموصل » ليتلقى خرقة الخضر ، للمرة الثالثة ، من يد
هامش
( 1 ) «l ' unite divine» .
( 2 ) «l ' unite transcendantale de l ' etre» .
( 3 ) «theophanies divines» .
( 4 ) «la realite essentielle du prophete» .