بدل الكيفيّات المسموعة الموضوعة أشياء أخرى موضوعة ، بحيث يكون حضور الأشياء الدّالة منشأ لحضور الأشياء المدلولة في الذّهن ، كان حالها حينئذ حالها ، إذا عرفت هذا ، فاعرف : أنّ كلّ وجود له دلالة ذاتيّة بوضع إلهيّ على جهة نورانيّة هي « وجه اللّه » فيه ، كما قال تعالى :
اينَما تُوَلّوا فَثَمَّ وَجهُ اللّهِ
« 1 » . وقال المتألّهون : كلّ موجود ذو وجهين : وجه من ربّه ووجه من نفسه ، فالدّال جهته النفسيّة ، والمدلول جهته الربّانيّة وتلك الجهة النّورانيّة الرّبانيّة في عين كونها واحدة ، لها شؤون غير متناهية
وَان تَعدُّوُا نِعْمَة اللّهِ لا تُحصُوها
« 2 » ،
وَما نَفِدَت كَلِمات اللّهِ
« 3 » . والوجودات بما هي مضافات إلى الماهيّات كلماتها وتسبيحاتها وتمجيداتها ، وبما هي مضافات إلى اللّه تعالى كلماته وخطاباته المتعلّقات بأسماعها الثّابتة كأعيانها .
( 4 ) وَسَرَّحَ قِطَعَ اللَّيلِ المُظلِمِ بِغَياهِبِ تَلَجْلُجِهِ :
« التّسريح » : الإرسال وتسريح الماشية إسامتها ومنه قوله :
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم * واسمت سرح اللّحظ [ 1 ] حيث اساموا
فتشبيه « قطع اللّيل » في النّفس بقطع المواشي استعارة بالكناية ، وإثبات التّسريح لها استعارة تخييليّة . وفيه إيماء إلى مسخّريتها للّه تعالى ، وانّها متحرّكة بتحريك الملائكة الموكّلة بها الّتي هي أيدي عمّالة للّه تعالى كتسخر قطيع الغنم للّراعي .
وأيضا التسريح : التطليق ومنه قوله تعالى أو تسريح باحسان .
وأيضا حلّ الشّعر وإرساله ، ومنه : إطلاق المسرح - كمنبر - على المشط وحينئذ كان فيه تشبيه اللّيل بالشّعر .
هامش
[ 1 ] أي لحظا كالسّرح . وبعد هذا البيت قوله :وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه * فإذا عصارة كلّ ذاك آثام
( 1 ) البقرة : 15 .
( 2 ) إبراهيم : 34 ، النحل : 18 .
( 3 ) لقمان 27 .