قال أحمد بن أبي الحواري : سمعت شيخي أبا سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه يقول : إذا اعتادت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت ، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما . قال أحمد بن حنبل : صدقت يا أحمد وصدق شيخك ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب إليّ من هذه ، من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم ، وقيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه : كيف الطريق إلى التحقيق ؟ قال : بتوبة تزيل الإصرار ، وخوف يقطع التسويف ، ورجاء يبعث على مسالك العمل ، وإهانة النفس بقربها من الأجل وبعدها من الأمل . فقيل له : بماذا يصل إلى هذا ؟ فقال : بقلب مفرد فيه توحيد مجرد انتهى . فإذا انفرد القلب باللّه وتخلص مما سواه فهم دقائق التوحيد وغوامضه التي لا يمكن التعبير عنها ، وإنما هي رموز وإشارات لا يفهمها إلا أهلها ولا تفشى إلا لهم ، وقليل ما هم ومن أفشى شيئا من أسرارها مع غير أهلها ، فقد أباح دمه وتعرض لقتل نفسه كما قال أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه :
وفي السرّ أسرار دقاق لطيفة * تراق دمانا جهرة لو بها بحنا
وقال آخر :
ولي حبيب عزيز لا أبوح به * أخشى فضيحة وجهي يوم ألقاه
وهذه الأسرار هي أسرار الذات وأنوار الصفات ، التي تجلى الحق بها في مظهر « 1 » الأكوان وإلى ذلك أشار بقوله :
14 - الكون كلّه ظلمة ، وإنّما أناره ظهور الحقّ فيه .
الكون : ما كونته القدرة وأظهرته للعيان ، والظلمة : ضد النور وهي عدمية والنور وجودي ، وأناره أي صيره نورا ، وظهور الحق : تجليه . قلت : الكون من حيث كونيته ، وظهور حسه كله ظلمة لأنه حجاب لمن وقف مع ظاهره عن
هامش
( 1 ) في الأصل : مظاهر .