ولما كان التخلص من دقائق الرياء ومخادع النفوس لا يكون في الغالب إلا بالفكرة ولا تتم الفكرة إلا بالعزلة ، ذكرها فقال :
12 - ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة .
النفع : إيصال الفائدة ، والقلب : القوة المستعدة لقبول العلم ، والعزلة :
انفراد القلب باللّه ، وقد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القالب عن الناس وهو المراد هنا إذ لا ينفرد القلب في الغالب إلا إذا انفرد القالب . وميدان بالفتح والكسر في الميم مجال الخيل ، استعير هنا للأفكار ، إذ تردّدها في مواقعها كتردد الخيل في مجالها والفكرة : سير القلب إلى حضرة الرب ، وهي على قسمين :
- فكرة تصديق وإيمان .
- وفكرة شهود وعيان ، على ما يأتي .
قلت : لا شيء أنفع للقلب من عزلة مصحوبة بفكرة لأن العزلة كالحمية والفكرة كالدواء ، فلا ينفع الدواء من غير حمية ، ولا فائدة في الحمية من غير دواء ، فلا خير في عزلة لا فكرة فيها ولا نهوض لفكرة لا عزلة معها ؛ إذ المقصود من العزلة هو تفرغ القلب ، والمقصود من التفرغ هو جولان القلب واشتغال الفكرة والمقصود من اشتغال الفكرة تحصيل العلم وتمكنه من القلب ، وتمكين « 1 » العلم باللّه من القلب هو دواؤه وغاية صحته ، وهو الذي سماه اللّه القلب السليم قال اللّه تعالى في شأن القيامة :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الشعراء 88 : 89 ] ، أي صحيح وقد قالوا : إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها الأخلاط مرضت ، ولا ينفعها إلا الحمية ، وهي قلة موادّها ومنعها من كثرة الأخلاط .
هامش
( 1 ) في المطبوع : تمكن .