ثم إن الفقر والجهل من أوصاف العبودية ، كما أن الغني والعلم ممن أوصاف الربوبية ، فلما أدلى بفقره إلى غنى مولاه ، أدلى بجهله إلى سعة علم مولاه ، فقال في المناجاة الثانية :
331 - إلهي أنا الجاهل في علمي ، فكيف لا أكون جاهلا جهولا في جهلي ؟ .
قلت : يقول رضي اللّه تعالى عنه : أنا الجاهل في علمي العارض الذي علمتني ، فكيف لا أكون جاهلا في جهلي الأصلي الذي فيه أركزتني ؟ أو يقول :
أنا الجاهل في حال نسبتي إلي العلم الذي علمتني ، فكيف لا أكون جهولا في جهلي الذي هو أصلي ومحلى ؟ وما نسبة علم العبودية في جانب علم الربوبية إلا كنقرة العصفور من البحر ، كما قال الخضر عليه السلام لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الاسراء : 85 ] ، وقال :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
[ البقرة : 255 ] ، وقال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
[ النحل : 78 ] ، فالعلم العارض لا يدفع الجهل الأصلي ، هذا باعتبار الحكمة والنظر إلى أصل البشرية .
وأما الروحانية فأصلها علامة دراكة ؛ لأنها نموذج رباني ولطيفة نورانية ، فإنما حجبها كثافة البشرية وظلمة الطبيعة كما قال في المباحث :
فلم تزل كل نفوس الأحيا * علامة دراكة للأشيا
وإنما تحجبها الأبدان * والأنفس النزع والشيطان
فكل من أذاقهم جهاده * أظهر للقاعد خرق العادة
ثم إن من تحقق بفقره الأصلي لا يسكن إلى غناه العارض ، ومن تحقق بجهله الأصلي لا يسكن إلى علمه الفرعي ، فإن الأمور كلها بيد الغني الكريم ، والقلوب كلها بيد المدبر الحكيم ، كما أبان ذلك في المناجاة الثالثة بقوله :