المناجاة
الباب الثلاثون
330 - إلهي أنا الفقير في غناي ، فكيف لا أكون فقيرا في فقري ؟ .
قلت : إنما ابتدأ مناجاته بالتحقيق بالفقر لما يعقبه من سرعة الغنى ، وقد قلت في قصيدة تقدمت :
تحقق بوصف الفقر في كل لحظة * فما أسرع الغنى إذا صحح الفقر
قال الشيخ أبو عثمان في قوله تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] .
التضرع : هو أن تقدم افتقارك وعجزك ، وعارك وضرورتك ، وقلة حولك وقوتك وليس التضرع بالإجهار ، ولا يكون للطاعات إظهار ، انتهى . يقول رضي اللّه تعالى عنه : أنا الفقير في غناي الوهمي الادّعائي فكيف لا أكون فقيرا في فقري الحقيقي الأصلي ؟ فغناي بموافقة الأسباب الظاهرة ليس وجوده منى ولا بقاؤه بيدي ، فأنا فقير في حالة وجوده ، فكيف لا أكون فقيرا في حالة فقده . أو يقول : أنا الفقير في حالة حياتي التي يظهر فيها صورة غناي بعشيرتي وأحبابي ، فكيف لا أكون فقيرا بعد مماتي حين يتخلف عني أحبابي وجيرتي . أو يقول أنا الفقير إليك في حال غناي بك ، فلا غني لي عن زيادة مددك ، وهذا كما قال القائل :
أنا الفقير إليكم والغنى بكم * وليس لي بعدكم حرص على أحد
فكيف لا أكون فقيرا في حال فقري إليك . إذا كنت فقيرا في حال نظري إلى غناي بك ، فكيف لا أكون فقيرا في حال نظري إلي فقري إليك ؟ وللّه در القائل :
إني إليك مع الأنفاس محتاج * لو كان في مفرقي الإكليل والتاج
وفي إظهار الفاقات إلى اللّه ، وإنزال حوائجة بساحة مولاه ، مع رفع الهمة