ما ذا يفوته ؟ . حكي عن بعض المشايخ أنه دخل برية الحجاز مع أصحابه بغير زاد ، فلما طالت عليهم المدة وأجهدهم الجوع انحرف الشيخ عن الطريق ، وهز شجرة فأسقطت رطبا جنيّا فأكلوا منها إلا شابّا ، فقال له الشيخ : لم لم تأكل ؟ قال : إني نويت التوكل على اللّه ورفضت الأسباب جملة ، فكيف أجعلك عندي بمنزلة السبب حتى تكون النفس متشوقة لما علمت منك ؟ ثم لم يصحبهم تصحيحا ليقينه وإتماما لعقده ، ومما يعين على تحقيق اليقين وصدق التوكل رفض الدنيا وأهلها ، وإليه أشار بقوله :
270 - وإنّه لا بدّ لبناء هذا الوجود أن تنهدم دعائمه ، وأن تسلب كرائمه .
قلت : قد حكم اللّه على هذا الوجود الظاهر أن يصير باطنا فلابد أن تنهدم دعائمه ، وهي ما يستقل به وجوده في العادة ، وهي هنا استعارة عن هدم وجوده وتبديله في خلق آخر ، قال تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
[ إبراهيم : 48 ] ، وقال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، على تأويل أهل الظاهر ، ولا بد أيضا أن تسلب كرائمه ، والمراد زوال بهجته وجماله ، وهي زينة الدنيا التي ذكرها اللّه بقوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
[ آل عمران : 14 ] ، فمن تيقن بفناء هذا الوجود وزوال هذا العرض الفاني جعل الدنيا محلا للعبور يعبر منها إلى دار البقاء ، فيصبر على شدتها ولأوائها حتى تنقضي عنه أيام الدنيا ، فهذا هو العاقل الذي ذكره بقوله :
271 - فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى .
قلت : لأن من علامات العقل : « التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور » كما قال عليه السلام . فالعاقل هو الذي يميز بين الحق والباطل ، والنافع والضار ، والحسن والقبيح ، وكل ما يفني وإن طال فهو قبيح ، وكل ما يبقي وإن غاب فهو مليح . قال بعضهم : يا عجبا للمطمئن للدنيا والراكن إليها ، والحريص عليها ، وهو يرى سرعة زوالها ، وكثرة تقلبها ، ومفاجأة نوائبها ، وأنشدوا :