المكاتبات
الباب السادس والعشرون
وحاصل المراسلات ثلاثة كتب وجواب ، فأول الكتب رسالة في السلوك إلى حضرة ملك الملوك ، بدايتها ونهايتها ونصها ، وقال رضي اللّه تعالى عنه مما كتب به لبعض إخوانه :
265 - أمّا بعد ، فإنّ البدايات مجلاة النّهايات .
قلت : البدايات ما يظهر على المريد في أول دخوله من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق ، وهو مظهر ومجلاة للنهايات : أي يتجلى فيها ما يكون في النهايات ، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته ، فمن رأيناه جادّا في طلب الحق باذلا نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية ، والقيام بوظائف الربوبية ، علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه ، وإذا رأيناه مقصرا في ذلك علمنا قصوره عما هنالك ، وأنشدوا :
بقدر الكدّ تكتسب المعالي * ومن طلب العلا سهر الليالي
تريد العزّ ثم تنام ليلا * يغوص البحر من طلب اللآلي
وبالجملة من رأيته صادق العزم في البداية ، فاعلم أنه من أهل العناية ، ومن كان في سلوكه معتمدا على اللّه ، ومفوضا أمره إلى اللّه كانت غاية سلوكه الوصول إلى اللّه ، كما نبه عليه بقوله :
266 - ومن كانت باللّه بدايته كانت إليه نهايته .
قلت : البداية باللّه هي ألا يرى لنفسه حولا ولا قوة ، لا في عمل ، ولا في حال ، ولا في مجاهدة ، ولا مكابدة ، بل ما يبرز منها من الأعمال أو من الأحوال رآه منة من اللّه وهدية إليه ، فإن كان هكذا فقد صحت باللّه بدايته وإليه تكون نهايته . ومما يتأكد النظر إليه في البداية تصحيح ما يفتقر إليه في سلوكه من علم الشريعة وعلم الطريقة ، فالعمل بلا علم جناية ، والعلم بلا عمل وسيلة بلا غاية ، وفي ذلك قيل :
إذا كنت ذا عمل ولم تك عالما * فأنت كذى رجل وليس له نعل