قلت : الأعمال كلها أشباح وأجساد وأرواحها وجود الإخلاص فيها فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح وإلا كانت ميتة ساقطة كذلك لا قيام للأعمال البدنية أو القلبية . إلا بوجود الإخلاص فيها وإلا كانت صورا قائمة وأشباحا خاوية لا عبرة بها : قال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ
[ البينة : 5 ] ، وقال تعالى :
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
[ الزمر : 2 ] ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم حاكيا عن اللّه تعالى : « يقول أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من أشرك معي غيري تركته وشريكه « 1 » » . وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أخوف ما أخاف على أمّتي الشرك الخفيّ وهو الرّياء « 2 » » . وفي رواية : « اتقوا هذا الشرك الخفيّ ، فإنّه يدبّ دبيب النمل ، قيل :
وما الشرك الخفي ؟ قال : الرياء « 3 » » ، انتهى بالمعنى لطول العهد به ، وفي حديث مسلسل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه سئل عن الإخلاص فقال : « حتّى أسأل جبريل ، فلما سأله قال : حتّى أسأل ربّ العزة ، فلما سأله قال له : هو سرّ من أسراري أودعه قلب من أحببت من عبادي ، لا يطّلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده « 4 » » . قال بعضهم : هو مقام الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه .
والإخلاص على ثلاث درجات : درجة العوام ، والخواص ، وخواص الخواص .
فإخلاص العوام : هو إخراج الخلق من معاملة الحق مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور . وإخلاص الخواص : طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية . وإخلاص خواص الخواص :
إخراج الحظوظ بالكلية ، فعبادتهم تحقيق العبودية والقيام بوظائف الربوبية أو محبة وشوقا إلى رؤيته .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2289 ) ، والترمذي ( 5 / 314 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1405 ) .
( 2 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1406 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 365 ) .
( 3 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 403 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 1 / 60 ) .
( 4 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 3 / 187 ) .