متوسط : أي مركب من ملك وملكوت ، فلو قال : جعلك عالما متوسطا بين ملكه وملكوته لأفهم المراد بسهولة : أي لست ملكا فقط ولا ملكوتا فقط ، بل جعلك متوسطا بينهما : أي مركبا منهما كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين « 1 » » أي :
مركبا منهما دون روح ، ولكن عبارة الشيخ فيها إلغاز وتدقيق إشارة ، وعلمنا كله إشارة ، وإنما جعلك بين ملك وملكوت ، ليعلمك جلالة قدرك وفخامة أمرك قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الاسراء : 70 ] ، وقال :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] ، وليعلمك أيضا أنك جوهرة نفيسة مصونة في صدف نفيس ، وهو الكون بأسره ، فتطوى عليك أصداف مكوناته من عرشه إلى فرشه ، فأنت أيها الإنسان كالياقوتة في صدف ، الأرض تقلك ، والسماء تظلك ، والجهات تكتنفك ، والحيوانات تخدمك وتنفعك ، والجمادات تدفع عنك ، وأنت في وسط الجميع ، فالأفلاك دائرة بك ، والشمس والقمر منيران لما أنت فيه ، فأنت جوهرة الصدف ، ولباب الكون ومداره عليك . قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه :
الأكوان كلها عبيد مسخرة وأنت عبد الحضرة . وقد ورد في بعض الكتب : يا ابن آدم أنا بدّك اللازم فألزم بدك . وفي بعض الآثار المروية عن اللّه عز وجلّ : « يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلي ، فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له « 2 » » . وقد قالوا في عجائب الإنسان :
إن الوجود كله منطو فيه ، فهو نسخة من العالم الأكبر .
ومما ينسب لأبي العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه :
يا تائها في مهمه عن سرّه * انظر تجد فيك الوجود بأسره
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في الكشف ( 2 / 173 ) ، ونقل قول الحفاظ : إنه لا أصل له بهذا اللفظ ، قلت : ولكنه جاء بلفظ آخر ومن طرق متعددة ، منها حديث ميسرة الفجر وفيه :
( بين الروح والجسد ) ، رواه الحاكم ( 2 / 608 ) ، وقال الزبيدي في شرح الإحياء ( 1 / 453 ) : أي لم يكن بعد روحا ولا جسدا ، وجاء بلفظ : ( وإن آدم لمنجدل في طينته ) ، عند الحاكم ( 2 / 609 ) ، ومعناه : أي ملقى على الأرض . وبالجملة : فالحديث وإن لم يثبت نقلا باتفاق إلا أنه ثابت كشفا عند أهله باتفاق ، وهو المراد معرفته .
( 2 ) لم أقف عليه .