والشوق ، فإنها لا تهدم عوائدها إلا إن كثرت وتزايدت ، وتسمى أيضا هذه الواردات نفحات قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن للّه نفحات فتعرّضوا لنفحاته « 1 » » ، فمن لم ترد عليه هذه الواردات اختيارا فليتعرض لها بصحبة العارفين أهل الإكسير الذي يقلب الأعيان ، فإن صحبهم ولم ترد عليه فليخرق عوائد نفسه من الظاهر ، فإنها تدخل منه إلى الباطن ، فمتى وردت عليك حينئذ تلك الواردات الإلهية هدمت العوائد عليك وأفسدتها لديك ، فترد عزك ذلا ، وغناك فقرا ، وجاهك خمولا ، ورياستك تواضعا وحنوّا ، وكلامك صمتا ، ولذيذ طعامك خشينا ، وشبعك جوعا ، وكثرة كلامك صمتا ، وقرارك في وطنك سياحة وسفرا ، هكذا شأن الوارد الإلهي يخرب العوائد ويهدمها ، فهو كملك جبار ذي جيش طغاة ، دخل قرية أو مدينة ، فأفسد بناءها وغير عوائدها ، قال تعالى :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
: أي نزعوها وخربوها ،
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها
، أذلة : أي رؤساءها أتباعا مرؤوسين
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
[ النمل : 34 ] ، أي هذا شأنهم ، والاستشهاد بالآية في غاية الحسن والمناسبة ، ثم ذكر الشيخ علة هدم الوارد عوائد الإنسان فقال :
217 - الوارد يأتي من حضرة قهّار ، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
[ الأنبياء : 18 ] .
قلت : إنما كان الوارد الذي يرد على قلوب السائرين أو الطالبين قويّا شديدا ، لأنه يأتي من حضرة اسمه تعالى القهار ليدمغ بقهريته كل ما وجد في النفس أو القلب من الأغيار ، وإنما قلنا :
من حضرة اسمه القهار لأن الحق تعالى له حضرات بعدد أسمائه ، فاسمه تعالى القهار يتجلى من حضرة قهريته ، واسمه جميل يتجلى من حضرة جماله ، واسمه جليل يتجلى من حضرة جلاله ، واسمه رحيم يتجلى من حضرة رحمته ، واسمه الحليم يتجلى من حضرة حلمه ، واسمه الكريم يتجلى من حضرة كرمه ، وهكذا فكل اسم يخرج تجليه على وفق حضرته ، قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
[ الحجر : 21 ] . ولو كان هذا الوارد الذي يرد على قلوب أهل
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 19 / 233 ) ، وفي الأوسط ( 6 / 222 ) .