تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكم الشيخ الأكبر — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
وغير ذلك إلا على أهل هاتين الخصلتين من العزلة عن الناس أو عن الخلق أو عن كل ما يمنعك من مولاك أو عمّا سوى الوجود المطلق ، والجوع الممدوح لا المذموم ، والأول جوع العوائد كما مرّ ، وهو أن يتركها ويكون دائما محتاجا إليها كاحتياجه إلى الأكل عند الجوع ، والثاني جوع الطبيعة البشرية بحيث يؤثر حلال ، فالمراد بالجوع ألا يأكل على العادة بأن يقرر لنفسه وقتا للأكل ويعين قدرا فيه ونوعا منه لا أن يترك الأكل بالكلية أو بحيث يخل بالمزاج ، فإنه مذموم موجب لقساوة القلب وفساد المزاج المستلزم لفساد الدرك ، فالأكل مذموم تركه ، فليأخذ السالك طريقا وسطا لترك الزيادة وعدم نقصه .

142 - ما اكتسبت القلوب الريون إلا من كثرة فضلات البطون

. كما قال الشيخ قدّس سرّه : ( ما اكتسبت القلوب الرّيون إلا من كثرة فضلات البطون ) ، و ( القلوب ) فاعل ( اكتسبت ) ، و ( الريون ) مفعوله وهو جمع الرّان على وزن فعول كالديون ، و ( فضلات البطون ) ما يزيد من البطن من الأكل الزائد والشرب الزائد أي : ما لا يحتاج إليه كفضلات الكلام مما لا يحتاج إليه ، ويمكن أن يكون المراد بها ما يعمّ الخواطر الواردة على القلب ؛ لأنها رانت على القلوب كالفضلات تأمل ، والمراد أن اكتساب القلوب الريون المانعة لها عن فهم الأسرار لعميها بها ، كما قال اللّه تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] . من الغفلة والشهوة والهفوة وانطباع الصور على وجه لا يقبل غيرها ، فبالانطباع يمنع وجود التجليات سواء كان الانطباع موجبا للعبودية للأكوان ، وهو الانطباع من حيث الجمال والاستحسان الموجب أيضا أو موجبا للغفلة بالأكوان ، وهو الانطباع من حيث الشهوة ، أو يكون الانطباع من حيث رؤية النفع والضرر منها ، وبالشهوة يمتنع الارتحال فصاحبها كلما أراد النهوض تمنعه منه ، وإن نهض تقطعه عن السير ، وإن سار أعجزته على الإسراع ، وإن أسرع ثبطته في الطريق . والحاصل لا يصح له الرحيل التام ، كما قاله الشيخ المعروف بزروق في شرحه للحكم لابن العطاء الإسكندري . وبالغفلة يمتنع السالك عن الدخول في حضرة القدس ؛ لأنها مقام مطهر كالمسجد لا يدخل فيه إلا المطهر من الجنابة والغفلة جنابة بالنسبة للخواص وبالهفوة والوقوع في الزلل