فورية على المعتمد من نقض التوبة .
ولهذا قال الشيخ كما مرّ في أول الكتاب : ( خف من كل مالك فيه نية ، ولو كان طاعة ) بخلاف ما إذا كان مقهورا في التوبة ، ولا يكون له قصد من النفس فيها فإنه حقا تاب اللّه عليه ، فلا يكون فاعلا لما هو طالبه ، بل هو فاعل لما هو مطلوب منه فيتم أمره ، ويثبت على توبته ولا ينقضها ، ويمكث فيها أبدا وهو موجب للمكث والخلود في الجنة قال اللّه :
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
[ الكهف : 3 ، 2 ] .
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله :
ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
[ الكهف : 3 ] .
فانس أيها التائب قصدك وهوى نفسك ؛ لأنه تعالى أعرف بمصالحك من توبتك وعدم توبتك وغير ذلك من سائر الأفعال ، فلا تعمل إلا به ولا تريد إلا بإرادته ، والمقصود أن تفنى عنك وتبقى باللّه حتى تتقرب إلى اللّه .
57 - من لم يكن سابقات العناية تدينه
.
كما قال الشيخ قدّس سرّه : ( من لم يكن سابقات العناية تدينه ) أي : من لم يكن ولم يبق له وجود وصار فانيا في اللّه فالعنايات الأزليّة الحاصلة للعبد في الحضرة العلميّة السابقة على حال عدم كونه وفنائه تقربه إلى اللّه تعالى أي : يرجى له ذلك ؛ لأنه ما كل فان متقرب ، ولا كل متقرب واصل ولا كل واصل داخل ، ولا كل داخل قاعد ولا كل قاعد ملتفتا إليه ، ولا كل ملتفت إليه فائز ، ولا كل فائز حائز ، فالكون تام ، والمراد بعدم الكون الفناء وهو إن لم تكن أنت .
وقال : ( سابقات العناية تدينه ) إشارة إلى أن حصول التقرب من العناية السابقة لا من فناء العبد ، بل فناؤه أيضا منها كغيره ، وإلا فهو أصعب من نحت الجبال بالأظافر ، لكن بالعناية يصير سهلا واللّه الميسر لكل عسير وهو على كل شيء قدير .
فمن لم يفن لم يتقرب ، ومن لم يتقرب لم يشهد ولم يشهد لم ير الحق ، ومن لم ير الحق لم ير شيئا ؛ لأنه ظاهر كل شيء فيكون أعمى ، ومن كان أعمى في هذه الدار يكون في الآخرة أعمى .