جعل نقطتان للياء حتى تتميز عن الباء ؛ لأنها متميزة عنها بالعشرة التي لها دون الباء ، ولها المرتبة الثانية من مراتب الطبائع الحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، فهي باردة واليقين أيضا موصوف بالبرد وهو من أوصاف السعداء ، والأولياء ؛ لأن البرد من الفرح والسرور .
( والميم ) لها دلالة على الملك والملكوت ، والمراتب الإلهية والكونية والمعروف ، والمحبّ والمحبوب ، والمريد والمراد ، والموجد والموجود ، والمبدئ والمحصي ، والمحي والمميت ، والمالك والملك والمدام ، والمقيم والمقام وغير ذلك .
فهي الدائرة التي أوله آخره ، وآخره أوله ، وهي المشتملة على العلويّة والسفليّة ، ولهذا اتّصلت الياء الساكنة بالميمين ؛ لأنها حرف علة فعنها ظهرت الأحكام ، والأمور المقربة للسعادة الأبدية ؛ ولأنّها حرف الأنبياء عليهم السلام حيث وقعت بين ميم آدم ، وميم محمد عليهما الصلاة والسلام كما مرّ .
قال اللّه تعالى في اتّصال الأمر بيننا وبينه من هذا الوجه :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ فصلت : 6 ] ،
بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا
[ الجمعة : 2 ] ،
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] ،
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[ الأحزاب : 6 ] ، والكل من هذه الآيات يعطي الاتّصال فاتصلت بهما هكذا ميم ، واتصلت الواو بالنون الأول هكذا نون لما مرّ ، ولم تتصل الألف بالواوين هكذا واو ؛ لأن الواو الأولى وواو الهوية والهاء داخلة فيها كدخول الخمسة في الستة فأغنت عنها والواو الثانية واو الكون ، وهي تحققت بها الهوية فوجدت بصورتها من أنواع أشكال ( الهاء ) سواء كان هكذا أو هكذا فتكون واو مقلوبة ، أو هكذا فتكون رأس الواو .
فهذه الأشكال الثلاثة مقطوعة ، وإن وصلت فلها شكلان هكذا ه ، والواو موجودة فيهما كما ترى في الأول مستقيمة ، وفي الثاني مقلوبة ، فهذا دليل على قوة نسبة الروحاني إلى جانب الحقّ المتعال ، فالواو هي الدليل على وجود الصورة في قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إن اللّه خلق آدم على صورته « 1 » » ، فظهر الكون على صورة المكون وحال بينهما
هامش
( 1 ) حديث صحيح : رواه البخاري ( 5873 ) ، ومسلم ( 2612 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 244 ) ، والحميدي ( 2 / 476 ) ، من حديث أبي هريرة مرفوعا .