كان المشاهد والمبصر للعين ليس إلا ذات واحدة لكن الفعل والأثر يدلان على أن ثمّ ذات أخرى عنها كان هذا الفعل والأثر ، فالشد في الحرف بمنزلة الفعل والأثر ، ولها نسبة قريبة أيضا غير ما ذكر ، مع أن النون وهي إنها من العالم المهموس بالاعتبار المار سابقا ، والميم مرتبة ثانية للشفعية وهي الأربعة ، فإن لها المراتب الأربعة وهي الأربعون في العشرات ، وللنون مراتب خمسة وهي الخمسون ، والخمسة : هي المرتبة الثانية للفردية ؛ لأن أول الأفراد ثلاثة عند أصحاب العدد فلهما حكم المجاورة في العدد ؛ لأن الأربعين مجاورة لخمسين ، ولهذا تدغم النون في الميم ، وخفيت فيها ، وإن الميم أولها منعطف على أخرها كالواو والنون فأشبهتهما ، وللميم مرتبة ليست لغيرها وهي المرتبة الشفعية ، والنون كذلك فإنها من عالم الأنفاس والروائح فلها طريق في الخيشوم ليس لغيرها ذلك فكل منهما حرف شريف والميم لأبينا آدم ، ولنبينا محمد عليهما وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة ، وأكمل التسليم إلى الأبد فهما شريكان فيها .
و ( الياء ) المتصلة بالميمين بسبب الوصلة بينهما ؛ لأنها حرف علّة .
فعمل نبينا صلى اللّه عليه وسلم في آدم عليه السلام عملا روحانيا بالياء ، وإليه إشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« كنت نبيا وآدم بين الماء والطين « 1 » » .
وكذا وقعت في أول اسمه وآخر اسم آدم ، وعمل آدم في نبينا صلى اللّه عليه وسلم بالياء عملا جسمانيا فآدم أبو محمد ، وعيسى وأبونا في الجسمية ، ومحمد أبو آدم ، وأبونا وجد لعيسى ، فإن أبوه روح القدس ، وهو ابن لنبينا من حيث الروح ، ( فالياء ) لها أول العقد ؛ لأنّها من العشرة فلها الأحدية في إنشاء العقد ، ومرتبتها ثانية كالباء ؛ لأنها ثانية من الأربعة التي اختصت بها العدد من الآحاد ، والعشرات ، والمئات والآلاف .
والباء هي الثانية من مراتب الحروف والوجود المطلق كما مرّ ، ولها البداية في اليقين وفي قوله تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
[ فاطر : 2 ] ، فهي النفخة الرحمانية كما أنّ للباء بداية في الوجود ، فلذا صارت نقطتهما في التحت إلا إنه
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 4 / 128 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 18 / 253 ) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 6 / 90 ) .