المذكورة قبل هذه :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ
[ الطلاق : 3 ] ، فلا بد أن يفعل ما يريد
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
[ الطلاق : 3 ] فهو أرقى من الأول ، وهو عبارة عن رفع الأسباب بالنظر إلى المسبب اسم فاعل ، فليس لصاحب هذا التوكل اختيار ، وتصرف فجميع ما يريده تعالى هو اختياره ، وإرادته .
وأمّا التوكل بمعنى إرجاع شأن ذات العبد إلى شأن ذات الحق تعالى بعد ما وقوع نظره إلى ما سوى الحق تعالى بالاستغراق في شهوده تعالى ، فهو أفضل من الكلّ ، فالأول على ما قاله الشيخ الجيلي : في الإنسان الكامل للصلحاء ، والثاني للشهداء ، والثالث للصدّيقين ، والرابع للمحقّقين ، ورأس الإخلاص هو التوكل ، ولذا قال الحق تعالى :
فَتَوَكَّلُوا
[ المائدة : 23 ] الآية ، فينبغي لكلّ أحد أن يتوكل في أموره على اللّه تعالى حق التوكل ؛ لأنه تعالى أعرف بما هو الأصلح للعبد ، ولا بد أن يفعل ما يريد فما بقي للعبد سوى التوكل لجميع أموره ، وترك التدبير لتدبير ربه .
فالعارف المقرّ باللّه في كلّ صورة المتوكل عليه في الأمور قريب إلى اللّه ، ويشاهد قربه تعالى إليه وإلى كل شيء ، والجاهل المنكر له في غير الصورة التي عرفه فيها بعيد عن اللّه تعالى ، وإذا كان هو بعيدا عنه تعالى فهو تعالى بعيد عنه أيضا ؛ لأنه أبعد الأشياء وأقربها بالمعنى الأزلي .
50 - قرب الحق من الخلق من حيث صفاته ، وبعدهم عنه من حيث ذاته
.
وإليه أشار الشيخ قدّس سرّه بقوله : ( قرب الحق من الخلق من حيث صفاته ، وبعدهم عنه من حيث ذاته ) ، وهذا الكلام أصل مذهب القوم ، ويستخرج منه أكثر مراداتهم ، وتفصيله إن قرب الحقّ من العبد ثابت بالنص .
قال اللّه تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
[ الواقعة : 85 ] أيّ : إلى المتوفى :
وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
[ الواقعة : 85 ] أنتم أني أقرب إليه منكم ، بل تعلمون أنكم أقرب إليه مني ، والأمر ليس كذلك ، والمتوفي يبصر ما هو الأمر عليه ؛ لأنه مكشوف الغطاء فبصره حديد غير كليل يبصر من هو أقرب الأشياء إليه .
وكذلك بعده قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] .