وذلك ؛ لأنه إذا دخل الرب في القلب خرب ما سواه لتحققه بالمعاني القيومية ، والإحاطة الديمومية فيشده في كلّ شيء ومعه ، وإنه له فلا ينظر لشيء سواه .
ولذا قيل : أبى العارفون أن يشهدوا غيره معه ؛ لأنه إذا ظهرت صفاته اضمحلت مكنوناته ؛ إذ لا نسبة للخلق عند ظهور آثار الحق .
وأنشدوا في هذا :
مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع
وفي بعض النسخ عنده أي : الحق تعالى
مذ تجمعت ما خشيت افتراقا * فأنا اليوم واصل مجموع
وقال بعضهم : الخروج عن الأغيار وسيلة لمعرفة النفس ، ومعرفة النفس وسيلة لمعرفة الرب ، والمراد : أن الخروج عن الأغيار سبب الخروج عن النفس ، وهو سبب معرفة النفس ، وهي سبب معرفة الرب إلى آخر ما قدمنا ، وفيه نظر يدفع بالتأمل فتأمل ، ولعلّ المال واحد والعبارة مختلفة فافهم .
16 - ما يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول
.
وكلام القوم مما مرّ وما يأتي وغير ذلك يحتاج في فهمه إلى التحقق بأعمال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأقواله فلا يفهم كلامهم أي ذوقا ووجدانا إلا من يكون سالكا فيما سلكه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولذا قال قدّس سرّه : ( ما يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول ) تقفيته واقتفيته أي :
تبعته والأثر بقية الشيء ، والخبر وكلاهما محتمل ؛ لأنه يتبع ما بقي منه من الأحكام ، ويتبع خبره أي : أحاديثه المروية عنه بعده أيضا ، ويحتمل أن يكون من قولهم : ( خرج في إثره ) مكسور الهمزة ، أو أثره بفتح الأولين أي : بعده ، ويقال : لنقل الحديث ويمكن على والمعنى ، واللّه أعلم بمراد القائل ما يعرف معرفة ذوق ووجدان دون علم الذي نقوله في هذا
هامش
- وأيضا الرؤية إذا أطلقت إنما تنصرف للبصر ، فلو لم يأت بالتشبيه لتوهم أن اللّه تعالى بالبصر الحسى وهو محال ، قال اللّه تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[ الأنعام 103 ] ، أي : الحسية ، وإنما تراه البصائر المفتوحة ، فإذا انفتحت البصيرة استولت على البصر فلا يرى البصر إلا ما تراه البصيرة من أنوار الملكوت ، واللّه تعالى أعلم . .