فحقق يا أيها السالك معرفة هذا الفرق المذكور ومن وجه آخر غير وجه الفرق بينهما فعينهما ، أي عين كل واحدة منهما سواء وهو وجه اشتراكهما في تخصيص الممكن ؛ ولهذا لما كان النظر في الأشياء من جهة لزومها بالإيجاد مع عدم اعتبار اختلافها بالزيادة والنقصان وغيرهما ، سميت أشياء جمع شيء وأصله شيء فعيل بمعنى مفعول ، أي مشيوء ، لأن المشيئة تعلقت به فألزمته بما هو فيه من زيادة أو نقصان من غير اعتبار تلك الزيادة ولا النقصان ، وبسبب ذلك كان الشيء أنكر النكرات لعموم مفهومه في كل كائن ، ولم يسم مرادا إلا باعتبار وجه خصوصه بما يميزه عن غيره من الأشياء .
* * * قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
[ لقمان : 12 ]
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] . فلقمان بالنّصّ ذو الخير الكثير بشهادة اللّه تعالى له بذلك . والحكمة قد تكون متلفّظا بها وقد تكون مسكوتا عنها .
مثل قول لقمان لابنه :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
[ لقمان : 6 پ ] . فهذه حكمة منطوق بها ، وهي أن جعل اللّه هو الآتي بها ، وقرّر ذلك اللّه في كتابه ، ولم يردّ هذا القول على قائله .
قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
[ لقمان : 12 ] وهو عبد حبشي لداود عليه السلام أعطاه اللّه تعالى الحكمة لا النبوّة على الأكثر ، وقيل : النبوّة ، ويؤيده ذكره هنا مع الأنبياء عليهم السلام .
وقد قال تعالى في الحكمة :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] ، أي لا نهاية له لظهوره إلى الأبد فلقمان عليه السلام بالنص من القرآن ذو ، أي صاحب الخير الكثير بشهادة اللّه تعالى بذلك في أنه آتاه الحكمة وكل من آتاه الحكمة فقد آتاه خيرا كثيرا والحكمة المذكورة قد تكون متلفظا بصيغة اسم المفعول بها ، أي قد تكلم بها صاحبها وقد تكون مسكوتا عنها بأن لا يتكلم بها صاحبها .
فالحكمة الأولى مثل قول لقمان عليه السلام لابنه كما حكى تعالى ذلك عنه فقال سبحانه :
يا بُنَيَّ إِنَّها
هو ضمير القصة نظير ضمير الشأن المذكور
إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ
، أي تلك الحبة
فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ