فنفى الحقّ النّصرة عن آلهة الاعتقادات على انفراد كلّ معتقد على حدته .
والمنصور المجموع ، والنّاصر المجموع .
فالحقّ عند العارف هو المعروف الّذي لا ينكر .
فأهل المعروف في الدّنيا هم أهل المعروف في الآخرة .
فلهذا قال :
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 37 ] .
فعلم تقليب الحقّ في الصّور بتقليبه في الأشكال . فمن نفسه عرف نفسه .
وليست نفسه بغير لهويّة الحقّ ولا شيء من الكون ممّا هو كائن ويكون بغير لهويّة الحقّ ، بل هو عين الهويّة . فهو العارف والعالم والمقرّ في هذه الصّورة وهو الّذي لا عارف ولا عالم ، وهو المنكر في هذه الصّورة الأخرى .
( فنفى الحق ) سبحانه ( النصرة ) في المعتقدين ( عن آلهة الاعتقادات ) المتخيلة في النفوس ( على ) حسب ( انفراد كل معتقد ) لإله ( على حدته فالمنصور ) من الآلهة المعتقدة ( المجموع والناصر ) من المعتقدين للآلهة المعتقدة ( المجموع ) فكل معتقد ينصر إلهه لا إله غيره ، وإلهه عنده منصور لا عند غيره ، وآلهة الاعتقادات لا نصرة لها أصلا .
( فالحق ) سبحانه ( عند العارف ) به ( هو المعروف ) عند كل أحد ( الذي لا ينكر ) ، أي لا ينكره أحد أصلا من حيث هو الحق الموجود سبحانه ، وإن أنكره من أنكره من حيث ما هو صورة محسوسة أو معقولة ، فإن هذا توهم في المعروف ما هو المعروف ، ولهذا يصف الواصف باعتبار توهمه فيقول : حضر ويقول : غاب ويقول :
كبر ويقول : صغر إلى غير ذلك . والمعروف عند الموصوف بجميع ذلك توهما فيه على ما هو عليه لم يتغير ( فأهل المعروف ) ، أي المتحققون به ( في الدنيا ) عن كشف وشهود ( هم أهل المعروف في الآخرة ) ، أيضا كما أن أهل المنكر في الدنيا وهم أهل الصور المتجددة محسوسة كانت أو معقولة هم أهل المنكر في الآخرة أيضا .
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة ، وأن أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة » رواه الطبراني « 1 » عن سليمان وعن ابن عباس رضي اللّه عنهم .
هامش
( 1 ) في المعجم الكبير ، برقم ( 11460 ) [ 11 / 190 ] ورواه البيهقي في السنن الكبرى ، حديث رقم ( 20093 ) [ 10 / 109 ] ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ، ما جاء في اصطناع المعروف ، حديث رقم ( 25429 ) [ 5 / 221 ] ورواه غيرهما .