وهذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلّا ذوقا كأبي يزيد حين نفخ في النّملة الّتي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمن ينفخ فنفخ فكان عيسوي المشهد .
وأمّا الإحياء المعنويّ بالعلم فتلك الحياة الإلهيّة الذّاتيّة العليّة النّوريّة الّتي قال اللّه فيها :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] فكلّ من يحيي نفسا ميتة بحياة علميّة في مسألة خاصّة متعلّقة بالعلم باللّه ، فقد أحياه بها فكانت له نورا يمشي به في النّاس أي بين أشكاله في الصّورة .
فلولاه ولولانا * لما كان الّذي كانا
فإنا أعبد حقّا * وإنّ اللّه مولانا
وإنا عينه فاعلم * إذا ما قلت إنسانا
فلا تحجب بإنسان * فقد أعطاك برهانا
فكن حقّا وكن خلقا * تكن باللّه رحمانا
وغذّ خلقه منه * تكن روحا وريحانا
فأعطيناه ما يبدو * به فينا وأعطانا
فصار الأمر مقسوما * بإيّاه وإيّانا
فأحياه الذي يدري * بقلبي حين أحيانا
فكنّا فيه أكوانا * وأعيانا وأزمانا
وليس بدائم فينا * ولكن ذاك أحيانا
وهذه ، أي مسألة الأمر الإلهي المتوجه على إيجاد الكائنات من قوله تعالى :
كُنْ فَيَكُونُ
مسألة عظيمة لا يمكن أن تعرف ، أي يعرفها أحد إلا ذوقا ، أي كشفا من نفسه وهو النظر التام في قوله تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
( 20 ) [ الغاشية : 17 - 20 ] ، وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً
[ النحل : 48 ] ، وهو نظر الاعتبار ورؤية المعرفة والاستبصار كأبي يزيد البسطامي رضي اللّه عنه حين نفخ في النملة التي قتلها فحييت بإذن اللّه تعالى فأمات وأحيا بإذن اللّه تعالى فعلم ، أي أبو يزيد عند ذلك ، أي عند الإحياء بمن ينفخ ، أي بربه القيوم عليه فنفخ به سبحانه لا بنفسه هو بحيث كان النافخ هو الحق تعالى بفم أبي يزيد ، مثل جبريل كما نفخ عيسى عليه