وليس ذلك في الصّورة الحسّيّة لغيره ، بل كلّ شخص منسوب إلى أبيه الصّوري لا إلى النّافخ روحه في الصّورة البشريّة .
فإنّ اللّه إذا سوّى الجسم الإنسانيّ كما قال :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ
[ الحجر : 29 ] نفخ فيه هو تعالى من روحه .
فنسب الرّوح في كونه وعينه إليه تعالى . وعيسى ليس كذلك ، فإنّه اندرجت تسوية جسمه وصورته البشريّة بالنّفخ الرّوحيّ ، وغيره كما ذكرناه لم يكن مثله .
فالموجودات كلّها كلمات اللّه الّتي لا تنفذ ، فإنّها عن « كن » وكن كلمة اللّه .
فهل تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه فلا تعلم ماهيّتها أو ينزل هو تعالى إلى صورة من يقول « كن » فيكون قول كن لتلك الصّورة الّتي نزل إليها وظهر فيها ؟
فبعض العارفين يذهب إلى الطّرف الواحد ، وبعضهم إلى الطّرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ولا يدري .
وليس ذلك ، أي الوجوه الثلاثة المذكورة في الصورة الحسية لغيره ، أي عيسى عليه السلام من جميع الناس ولا لآدم عليه السلام ، فإن اللّه تعالى ما خلقه بواسطة ملك تصوّر في صورة بشر ، وإنما خمر طينته بقدرته سبحانه ، ثم سواها بلا واسطة ونفخ فيه من روحه بلا واسطة ، والمثلية في قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
ثم قال له كن فيكون باعتبار ما ذكره من خلقه من تراب ، ثم تكوينه له بنفخ الروح فيه ولا واسطة بالنظر إليه تعالى ، ولهذا قال في عيسى عليه السلام :
فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا
[ الأنبياء : 91 ] ، ولم يذكر سبحانه واسطة نفخ الملك ، وهذا معنى التقييد بالعندية في قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ
، ولم يطلق سبحانه : ف
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
. وأما مثله عندنا فليس كذلك لاعتبارنا الواسطة كما هي كذلك في عيسى عليه السلام دون آدم عليه السلام ، ولهذا اعتبرها سبحانه في موضع آخر من كلامه حيث قال :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
( 19 ) بل كل شخص من الناس منسوب إلى أبيه الصوري المتوجه على إلقاء نطفته في رحم أمه ؛ ولهذا قال تعالى :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
[ الأحزاب : 5 ] ، وقال تعالى :
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
[ البقرة : 332 ] ، وهو الأب ، فإذا زال حكم الدنيا وتكوين الناس فيها عن الوسائط الظاهرة في الطبيعة وكان يوم القيامة ظهرت عندية اللّه .