وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا .
ووصف نفسه بالرّضاء والغضب .
فأوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه .
ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمّى به .
فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللّتين توجّهتا منه على خلق الإنسان الكامل .
لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته .
( ثم لنعلم أن الحق ) تعالى ( وصف نفسه ) بعد ذلك أيضا ( بأنه ظاهر باطن ) حيث قال تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 3 ) [ الحديد :
3 ] ، ( فأوجد العالم ) كله ( عالم غيب ) عنا ( و ) عالم ( شهادة ) لنا فغيبتنا الأرواح وشهادتنا الأجسام ( لندرك الباطن ) من العالم ( بغيبنا ) وهو الروح ( و ) ندرك ( الظاهر ) من ذلك ( بشهادتنا ) وهي الجسم ولا غيب ولا شهادة بالنسبة إليه تعالى ، لأنه أخبر عن نفسه تعالى أنه عالم الغيب والشهادة ، فهما عنده سواء ، وإذا استويا فلا فرق بينهما ، وإذا لم يكن بينهما فرق ارتفع الأمران لارتفاع المميز لكل منهما عن الآخر ، وثبت علمه تعالى بكل شيء وإحاطته بالجميع إحاطة واحدة ، ومع ذلك فهو تعالى الظاهر الباطن ، فهو الظاهر لغيره والباطن عن غيره ، فلا ظاهر إلا هو ولا باطن إلا هو ، ولا هو ظاهر لغيره ولا هو باطن عن نفسه ، ولما نسب سبحانه أمره إلينا كان باطنا عنا ثم لما سلب أمره عنا كان ظاهرا لنا وأمره مسلوب عنا في حال نسبة إلينا كما سبق ، فهو الظاهر في عين باطنيته والباطن في عين ظاهريته .
وقوله بعد ذلك
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] تنبيه منه تعالى على أن اسمه الباطن نسبة إضافية بالنظر إلينا ، وأما بالنظر إليه تعالى فهو عليم بكل شيء فضلا عن علمه بذاته وصفاته فكيف يكون باطنا عنه .
ثم لما كانت هذه النسبة وهذا السلب يتعاقبان على الإنسان في كل آن في الدنيا والبرزخ في الآخرة تسمى الإنسان بما تسمى به الحق تعالى ، فكان الإنسان في حال نسبة ذلك الأمر إليه أوّلا ، وفي حال سلب تلك النسبة عنه ثم عودها إليه آخرا ، مع أنها منسوبة إليه أيضا في حال سلبها عنه ، لأن هذه النسبة حكم إلهي وأحكام اللّه تعالى لا تتغير لكنها تنسخ ويؤتى بعدها بمثلها كما قال تعالى :
* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ