ذكر فحملها على ما ظهر منها ( فقالت : من حيث النشأة ) ، أي قولا يقتضيه وجودها المخصوص وتشخصها المعين فشرحت حالها بمقالها الظهور المقول فيه لها في مرآتها على حسب استعدادها والذي قالت هو
( أَ تَجْعَلُ فِيها )
[ البقرة : 30 ] ، أي في الأرض
( مَنْ يُفْسِدُ فِيها )
فاستفهمت بطريق النهي عما طلب اللّه تعالى منها التكلم فيه بحسب ما عندها .
* * * وليس إلّا النّزاع وهو عين ما وقع منهم فما قالوا في حقّ آدم هو عين ما هم فيه مع الحقّ .
فلولا أنّ نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حقّ آدم ما قالوه وهم لا يشعرون .
فلو عرفوا نفوسهم لعلموا ، ولو علموا لعصموا .
ثمّ لم يقفوا مع التّجريح حتّى زادوا في الدّعوى بما هم عليه من التّقديس والتّسبيح .
وعند آدم من الأسماء الإلهيّة ما لم تكن الملائكة تقف عليها ؛ فما سبّحت ربّها بها ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه .
فوصف الحقّ لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلّم الأدب مع اللّه تعالى فلا ندّعي ما نحن متحقّقون به وحاوون عليه بالتّقييد ؛ فكيف أن نطلق في الدّعوى فنعمّ بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح ؟ فهذا التّعريف الإلهيّ ممّا أدّب الحقّ به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء .
( وليس ) هذا الفساد الذي قالته ( إلا النزاع ) مع اللّه تعالى ( وهو ) ، أي ذلك النزاع ( عين ما وقع منهم ) بقولهم : ذلك اقتضته حقيقتهم القاصرة عن كمال من قالوا ذلك في حقه ( فما ) ، أي الذي ( قالوه في حق آدم ) عليه السلام من نسبة الفساد في الأرض إليه ( هو عين ما هم فيه ) حين قولهم ذلك ( مع الحق ) تعالى بعد سماعهم أن ذلك المجعول في الأرض خليفة له تعالى فقد نازعوا اللّه سبحانه بما قالوه فيه .
( فلولا أن نشأتهم ) التي خلقوا عليها من قصورها عن درجة الخليفة ( تعطى ذلك ) القول منهم ( ما قالوا في حق آدم ) عليه السلام ( ما قالوه وهم لا يشعرون ) بأنه فيهم لا في آدم عليه السلام لأنه مقتضى نشأتهم القاصرة عن نشأة آدم عليه السلام الجامعة ، ولا شك أن كل من قال في غيره شيئا إنما تصور ذلك الغير أوّلا في مرآة استعداده ثم أخبر عنه على حسب ما وجده فيها ، فما أخبر إلا عن استعداده فالقاصر