طعنك كطعن إبليس فإنك تشقى شقاء الأبد ، وإذا كان طعنك كطعن الملائكة نقصت درجتك عن درجة من طعنت فيه ، فقط إن انقدت له ظاهرا وباطنا استمطرت سماء إلهاماته ، فتأمل قبل الموت على الباطل .
( فقد وعظك اللّه ) تعالى ( بغيرك ) ، في واقعة آدم والملائكة وإبليس التي قصها اللّه عليك في القرآن العظيم فاعتبر بها ( وانظر من أين أتى ) بالبناء للمفعول ( على من أتى ) ، بالبناء للمفعول أيضا ( عليه ) ، وهم الملائكة وإبليس فإنهم تداركوا أمرهم فنجوا ، وفرط إبليس فهلك ، وكان سبب ذلك القياس العقلي ، فقاست الملائكة آدم عليه السلام على من كان قبله في الأرض فأخطؤوا ، وقاس إبليس أيضا آدم عليه السلام على مقتضى ما يظهر من الطين الكثيف بفكره ونظره فأخطأ .
( فإن الملائكة لم تقف ) ، أي تطلع فتتأدب ( مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ) من جمعية الكمال الذي عنده ، فإن الخليفة يحتاج أن يكون جميع حاجات من جعل مستخلفا عليهم وقول اللّه تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] يؤذن بذلك لهم الكمال ( ولا وقفت ) ، أي الملائكة ( مع ما تقتضيه حضرة الحق ) سبحانه ( من العبادة الذاتية ) التي أشارت إليها الملائكة بعد أن تعلمتها من آدم عليه السلام بقولها : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك « 1 » ، وسبحانك ما عرفناك حق معرفتك ( فإنه ما يعرف أحد من الحق ) تعالى ( إلا ما تعطيه ذاته ) ، من المعرفة ، فللّه تعالى عند خلقه ظهورات مختلفة بعدد استعدادات الخلق ، وكلها ظهورات الحق تعالى ، وكلها تنزّه الحق تعالى عنها ، فهو الغيب المطلق من حيث هو على ما هو عليه ، وهو الحاضر المشهود على كل حال من حيث استعدادات الخلق لمعرفته ، فكل استعداد فيه معرفة خاصة بشهود للّه تعالى مخصوص ، والأمران جاء بهما الشرع التنزيه والتشبيه معا لا أحدهما كما سيأتي إن شاء اللّه .
( وليس للملائكة جمعية آدم ) عليه السلام لجميع الأسماء الإلهية بحقيقته الإنسانية فإن كل ملك من حضرة اسم إلهي خاص ، وإن جمع كل اسم لجميع الأسماء في اطلاع الكامل لكن لا يلزم من ذلك الاطلاع من القاصر عليه ، فإن الكامل يرى في القاصر من الكمال ما لا يراه القاصر من نفسه ولهذا كان قاصرا ، وكان صاحب الاطلاع كاملا .
قال تعالى :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، حديث رقم ( 3568 ) [ 4 / 44 ] والبيهقي في شعب الإيمان ، فصل في معرفة الملائكة . . ، حديث رقم ( 166 ) [ 1 / 182 ] ورواه غيرهما .