فناولته إياه ، فقال : كيف رأيت ؟ فقلت : كان الختم نافدا ، فهذا قدر ما يحتمله هذا المختصر وفيه كفاية وغنية لكل مقتصر « 1 »
فإياك من إنكار ما لم يبلغه نظرك ، ولا أحاط به خطرك ، فلا تفلح مدى عصرك ، وقل لمن في حلبة الغي بالإنكار يتبارى ، وعن مناهج الرشد بالحدّ يتوارى ، فبأي آلاء ربك تتمارى .
قال أبو بكر بن العربي : منكر الكرامات إما أن يجوز وقوعها ويكذب أحوال من ظهرت عليه فهو داخل في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
[ يونس : 96 ، 97 ] الآية ، وإما أن يستحيل وقوعها ويصدق أحوال من ظهرت عليه ، فهو داخل في قوله تعالى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] .
تنبيه ، وفائدة ، وقاعدة :
في صحيح مسلم : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من قال : لا إله إلا اللّه » « 2 » :
لم يقل : محمد رسول اللّه ؛ لأن الإيمان باللّه إنما يتم بالإيمان برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبسائر الأنبياء - عليهم السّلام - .
دلّ عليه قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا * أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
[ النساء : 150 ، 151 ] .
فإن المقصود من هذه الآية : إن الإيمان ببعض الأنبياء ، والكفر ببعضهم ؛ كالكفر بالأنبياء كلهم ، والكفر بالأنبياء كفر باللّه تعالى ؛ لأن الأنبياء مبلّغون عن اللّه تعالى ، ومساوون في النبوة والمعجزة ، فمن استهان بهم ؛ فقد استهان بالذي أرسلهم إلى الناس .
ألا ترى أن من قصد واسطة السلطان في عرض الأمور ؛ فقد قصد السلطان ،
هامش
( 1 ) انظر : الرسالة القشيرية ( 2 / 688 ) .
( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 53 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 318 ) .